••
العودة   منتدى وندر لاند > القصص والروايات > روايات الانمي_ روايات طويلة

روايات الانمي_ روايات طويلة لجميع أنواع الروايات " الحصرية، العالمية، المنقولة والمقتبسة"


الطريق نحو الحرية | السجين |

روايات الانمي_ روايات طويلة


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-06-2022, 10:45 AM   #86
آدِيت~Edith
https://www.anime-tooon.com/up/uploads/at165286508456371.png


الصورة الرمزية آدِيت~Edith
آدِيت~Edith متواجد حالياً



وعليكم السلاااام ورحمة الله وبركاته
كم كان وقتا جميلا قضيته بالاستمتاع بردات فعلك المباشرة الجميلة والمسلية
اعطيتي للرواية نكهة وطعما اخر
بالفعل بت أحب أن أكتب وصرت اشعر بمتعة أكبر

شكرا لك يارفيقة دربي وشكرا لكلماتك الجميلة وتشجيعك

بس بيكفي تحسسيني بالذنب يافتاة لك وجعتيلي قلبي
المشكلة عم دور عن شي منفء مافي خلص ارتحل واندفن

اديش ضحكت وانتي تحكيلو عن سي وكيف حب زوجته

ياحرام هالحب رح يعذب سي كتير عفكرة

متحمسة لردات فعلك المستقبلية تحديدا ععلاقتن
مع انو احساسي بيقلي مستحيل تتعاطفي مع سي بهالموضوع هههههه

سلمت يارائعة كوني معي بالقرب دائما


 
 توقيع : آدِيت~Edith

مواضيع : آدِيت~Edith



رد مع اقتباس
قديم 10-28-2022, 05:21 PM   #87
آدِيت~Edith
https://www.anime-tooon.com/up/uploads/at165286508456371.png


الصورة الرمزية آدِيت~Edith
آدِيت~Edith متواجد حالياً






عُزفت أغنية الموت مع دويِّ إنفجارٍ مُرعبٍ لم تعُد رؤية ماورائه ممكنة.

وقف ذاهلاً ينظر ذلك المشهد بعجزٍ قاتل ، كما لو أن أنفاسه لم تعد ذات معنى ، وكم تمنى أن يغمض عينيه فيستفيق من ذلك الكابوس المعتم .

في تلك الثواني كان الوقت ثقيلاً بطيء الخطى ، قطعه كفٌ أطبقت على فمه بمنديلٍ مخدر ، بحركة تلقائية دافع عن نفسه مبتعداً يدفع ذلك الغريم المجهول؛ رغم أن مفعول المخدر كان سريعاً وقد بدأ الدوار يجتاحه والرؤية باتت مشوشة .

مستغلاً ضعفه اقترب مجدداً ذلك المجهول يمسكه بقوة ويغرز إبرة في كتفه سرت حرارتها سريعاً قبل أن يدركها ، يداه القابضتان على كف غريمه ضعفتا وقد انهار أخيراً وهوى على الأرض بلا وعي .
....................
تلاشى الدخان الكثيف أخيراً دونما أي بوادر لأي كارثة ، فلاجرحى ولا دماء .. ما جعل القلوب الفزعة تهدأ قليلاً وكلاً وجد الفرصة للاطمئنان على أحبته .

فتحت الفتاة عينيها بذعر لتجد أنها قد دفنت بين ذراعين تحميانها ، و استند رأسها لصدر صاحبهما؛ الذي ما إن استدرك ماجرى حتى أبعدها برفق والحُمرة قد صبغت خديها .

_ هل أنتِ بخير ؟
أومأت مجيبة وبخوفٍ سألته بينما تنظر حولها قلقة : مالذي جرى تواً ديريك ؟!

أومأ بالنفي حائراً: لا أعلم من فعل هذا !ولم قد فعل ؟!

اقترب ستيف منهما برفقة إيرينا وكلاً منهما بات أسير الحيرة والذعر : هل أنتما بخير ؟

أجابه الشاب ولايزال مرتاباً: أجل ، وحمداً لله أنكما كذلك ؛ لا أظن أن أحداً أصابه الأذى ، عجباً من ذا الذي فعل هذا ومالذي أراده ! .

نداءٌ مفاجيءٌ أجفلهم جميعاً وهم يلتفون نحو مصدره حيث صرخ الشرطي عبر اللاسلكي محذراً: لقد هرب السجين ! هناك دخيل قد ألقى قنبلة دخانية ليساعده على الهرب ،لينتشر الفريق مغلقاً كل المخارج بسرعة !.

_ أبي !

اتسعت عينا الفتاة بذهول وذعر ، وما إن لحظ الشاب ارتعاش جسدها حتى أسندها قلقاً: تيريزا رجاءاً تماسكي ، لابد أنه بخير أرجوكِ لاتفزعي .

ظلت بصمتها ودقات قلبها المتسارعة تنهكها مما جعل ايرينا تسرع لاسنادها متألمة لحالها : تعالي لنجلس عزيزتي ، اشربي بعض الماء لتهدأي .

سقتها الماء وما إن أجلستها على أقرب مقعد حتى نطق رملي الشعر : لا تقلقي سنبحث عنه أنا وسيكيم وسنجده على الفور ،العم آرون قائد قوي لن يصيبه أي مكروه ثقي بذلك .

_ والدي .. لايخرق القانون أبداً ، لابد أنه .. لم يهرب .

التفت سريعاً لأسود الشعر مشيراً بأن لاجواب يملكه ، ومالبث الآخر أن همس له بريبة : أخشى أنها محقة ، ماذا لو أنه اختطف ؟!

لم يجد جواباً فتلك الفكرة المرعبة لو تحققت فستكون كارثة حقيقية ، وإذ بالفتاة تنطق بمازاد الوضع سوءاً متسائلة بخوف : ولكن .. أين أخي ؟!

..........................................


تلاشت العتمة ليحل مكانها ضياء ذهبي بديع ، أحاطته خضرة وزهور ، ومن اللا مكان تدلت أرجوحتين ارتقا احداها الأب ببسمته الحانية العذبة ، ينظر بعينيه الحانيتين فتاه الذي جلس على الأخرى يرقبه بسمائه الصافية الزرقة .

_ أين نحن .. أبي؟

نظر حوله يجيبه بحيرة : لا أعلم ، لكنه مكان يبعث على الطمأنينة .

_ محق .. أتعلم أبي؟

_ ماذا؟

_ لقد اشتقت لأن نكون معاً.. وحدنا ، نحكي همومنا وأحلامنا ، كما الماضي أبي .

_ وأنا كذلك .. اشتقت كثيراً لك بني .

رفع الاثنان رأسيهما نحو السماء يملأ كلاً منهما رئتيه بتلك الذرات النقية الصافية .

_ أبي .. إنني أفهم الآن ألمك جيداً .

نظره متسائلاً بينما أكمل الآخر بأسى : لقد فقدت صديقي المقرب .. كما فقدت أنت صديقك منذ سنوات ، تمنيت دائماً أن أشكو لك ألمي ، أنت وحدك من سيفهمني .

بعطف ظل يتأمله وبنبرة متألمة رد مواسياً : لقد عشنا الكثير معاً ، وها أنت تكرر قصتي بني .. مجدداً تعيش ماعشته من ألم وغربة ووحدة ، كذلك أنت جُرحت ممن تحب .. وخُذلت .. مثلي تماماً .

أومأ له بالنفي يجيب وهو يتأمل السماء بغمة : نحن بحثنا عمن يحبنا ، ووجدنا الحب بهما ، لكن الحقيقة أن أياً منا لم يستطع أن يجد حبه الحقيقي الصادق ، وعندما خُذلنا ، فهمنا كم كانت تلك العلاقة مسمومة خاطئة .

باعجاب ساخرٍ معتاد : لقد غدوت حكيماً ، لوهلة حسبتك شخصاً آخر ، على كلٍ .. أوافقك هذه المرة ، لكني اكتفيت بحبكما أنت وتيريزا ، لذا لم أكن بحاجة لحب آخر قد يخذلني ، ماذا عنك .. أظن هناك ماأغفلت قوله لي .

ابتسم ضاحكاً وبتردد أجابه : هذا العالم غريب حقاً ، فأبي الذي أعرفه كان يفهمني بصعوبة ، أو هكذا كان يدّعي ، أجل .. أنا .. أظنني وقعت بالحب حقاً ، ربما لأني لا أملك أطفالاً أكتفي بحبهم .. لذلك ظل هذا القلب يبحث عمن يحتويه ، لكن .. قراره خاطيء من جديد .

_ أهي شخص سيء؟

_ بل على العكس ! إنها أنقى امرأة عرفتها ، مثلي لايستحقها أبي .. ومدرك أني سأعاني كثيراً بهذه العلاقة المستحيلة .

تلاقت عيونهما تبث كلاً شكواها بصمت رغم الابتسامة الذابلة المرتسمة على شفتيهما .

_ أبي .. هل ستُشفى جراحنا ؟ هل سيزول هذا الألم اللعين ؟

_ لست أعلم .. لكن لابد لها أن تنتهي يوماً ، ربما حين تتلاقى أرواحنا بأحبتنا .. حينها سنتعافى يابني .

تلاشى الضياء يمحو صورتيهما لتحل العتمة من جديد تعيد معها حواسه ..
...........


لم يعرف كم من الوقت مضى حتى عاد يدرك ماحوله ويستعيد وعيه شيئاً فشيئاً، عجزٌ اعتراه فحريته قيدت، بينما عيناه أُطبِقتا فلم يعد يقوى الرؤية أو الخلاص .

حرك قبضتيه محاولاً فك وثاقه دون جدوى ؛ ولازال يشعر بالضعف يعتريه ، وإذ به يسمع صوتاً أنثوياً لطالما ألِفَه يخاطبه بشوق : لقد استفقت أخيراً ، أقلقتني سي .

رد باستنكار : كريستينا!

اقتربت منه حتى وقفت خلفه ووضعت يديها على كتفيه هامسة : أعتذر لاستقبالك بهذه الطريقة الفظة ، لكنك لم تكن لتقبل بالقدوم سوى قسراً .

_ مالذي يجري ؟ لم أنا هنا ؟ ومعكِ؟

_ رويدك عزيزي .. ستفهم كل شيء قريباً ، حسبتك ستسعد لرؤيتي ، لكن لابأس لاتزال سيكيم المشاكس الذي أعرفه.

أردفت مخاطبة أحدهم : مالذي أنت بانتظاره آيغور ، بإمكانك المغادرة الآن .

أجابها بصوته الأجش : بأمركِ ، سأكون قريباً إن احتجتِ للمساعدة ،ولاتنسِ .. لاتفكي وثاقه كي لانقع بالمتاعب .

_ لست أنت من تأمرني ، أفهمت هذا .

همهم باستياء وترك الغرفة مغلقاً الباب خلفه ، وقد بدأت الفتاة بفك الرباط عن عينيه حتى بدأ يستعيد قدرته على الرؤية شيئاً فشيئاً .

_ استعد الآن لمفاجئتي الصغيرة ، عام جديد سعيد .

لاحت أمام مرآه مائدة مزينة يتوسطها قالبُ كعكٍ صغير تعلوه شمعة أضاء نورها شيئاً من العتمة ، والفتاة خلفه غنت بصوت رقيق أغنية عيد الميلاد بإسمه بينما لايزال بصمته يحاول فهم مايدور حوله .

_ أتمنى لك عاماً سعيداً عزيزي سي ، تمنى أمنية وأطفأ الشمعة .

ضحكة قصيرة ساخرة أطلقها مستنكراً وسرعان مانطق بحُرقة: هل لأجل هذا فقط! من بين كل الأمور التي تشغلني وتميتني هل بقي لك التفكير بيوم مولدي اللعين ! أوتعلمين مالذي يجري معي حتى !؛ أوتفهمين شيئاً مما أواجه لتحتفلي بسذاجة بيوم مولدي ، تباً له ولكل شيء .

أحاطت عنقه بذراعيها وبلامبالاة نطقت مبتسمة : لأجل هذا لم أرد ترك هذا اليوم المهم بلا احتفال ، عليك أن تريح نفسك قليلاً بعيداً عن كل شيء يقلقك .

زجرها ساخطاً : ابتعدي عني ياهذه واتركيني لأذهب؛ فلا أدري ماجرى هناك بعد ، أبي ، تيريزا و..

سكت مستدركاً وقد اتسعت عيناه بذعر : ايرينا كانت هناك أيضاً .. اللعنة!

عاد يحاول فك الرباط البلاستيكي بكل قواه بينما ابتعدت الفتاة تنظره بريبة مستنكرة، اقتربت من الشمعة تطفئها وأضائت الأنوار ، ثم استدارت له ببرود مستاءة : ومن تكون هذه الفتاة .. أعني إيرينا التي فزعت لأجلها .

رمقها بضيق وسرعان ماتجاهلها وقد تمكن من قطع رباط يديه أخيراً فبدأ يفك ساقيه بجهد .

اقتربت منه وجثت أمامه وقد أمسكت ذراعيه والضباب بعينيها تلاقى بسماء عينيه : مُذ احتجزت هنا وأنا أترقب أن تأتي لتخرجني ، لم تفعل .. وفكرت ربما هو يحتج عند والدي يطالبه بإخراجي ؛ لكنك لم تفعل أيضاً ، والآن ورغم كل شيء لم تلتفت لي حتى ولم تنظرني، لم تقلق بشأني ولو مقدار ذرة ، وكأنما قلبك قد ارتحل ، ذلك القلب الذي كنت سيدته لخمسة عشر عاماً ، ترى جيداً من هو الخائن بيننا .

أبعد يديها ناقماً: فكرت بإنقاذكِ حقاً لكني تراجعت ، أنتِ ابنته وشريكتهم على كل حال لذا لن يؤذوكِ حتماً ، وأيضاً الخائن بيننا واضحٌ من يكون ، وقد آن لكِ أن تعرفي أنني في العشق معطاءٌ بلا حدود ، إنما حين أشم رائحة الخيانة فليس أشد من كراهيتي ونقمتي .

قطع قيود رجليه وهو ينظرها بحدة ونهض قائماً فأسرعت تقف أمامه معترضة طريقه صارخة به : من تكون إيرينا تلك أجبني ؟

ابتسم ساخراً وباحتقارٍ أجابها : ماشأنكِ ها ؟! على كلٍ ليتكِ تشرفتِّ بلقائها علها تعلمكِ الوفاء والإخلاص لمن تحب ، هي شخصٌ لايمكنكٍ مقارنة ذاتكِ الملوثة به ، ولايمكنكِ تلطيخه بنطق اسمه على لسانك القذر .

صفعته بكل ماتملكها من غضب فماكان منه إلا أن قبض يدها بقوة وهو بنظرها بكراهية : إنها المرة الثانية كريس ، ليس من صالحكِ إغضابي أكثر .

فُتح الباب يطل من خلفه الضخم بوجهه العبوس متأهباً غاضباً وقبل أن يقترب زجرته ولاتزال تتأمل الزرقاوتين الغاضبتين : لم آذن لك بالدخول آيغور .. غادر فوراً.

_ لكن..

_ قلت لك اخرج !

استجاب على مضضٍ مغلقاً الباب من خلفه ؛ وماإن فعل حتى تنفست الصعداء ومدت كفها لتمسح خده برفق : أنا آسفة لتمردي ، كنت أتمنى أن نقضي بعض الوقت الهاديء معاً ، أن نحتفل بيوم مولدك ونستعيد الذكريات ، وأن .. أخبرك بحقائقٍ تجهلها ولكنك لازلت تصمُّ أذنيك عن سماعي ، هذا يزعجني بحق ، تجرحني باستمرار وتتجاهل كم كنت ولازلت تحبني ، وإن أنكرت أنا أرى ذلك بوضوح حتى وإن حاول كبريائك اللعين إخفائه .

تنهد مستاءاً ونطق بنفاذ صبر وهو يبعد كفها : هناك من يصارع الموت ومن أجهل مصيره الآن ولازلتِ تنطقين بالتفاهات ياهذه!

تجاوزها ليخرج فاستقبله من جديدٍ آيغور بنقمة : أوتحسب أن بمقدورك الخروج ببساطة أيها الساذج ؟!

أجابه ممتعضاً: لسوء حظي أن التقيتك اليوم والأمس ، كريس ؛ مُري هذا الجرذ ليبتعد عن طريقي قبل أن أمزقه .

أشارت له بأن يبتعد دونما رضاً فماكان منه إلا أن اعترض ساخطاً: هذا غير ممكن ، خرج من هنا بسلامٍ مرة فتمادى ، إن خرج الآن كذلك ستبلى قواعد المقر أجمع ولن يكون لها أي قيمة .

صرخت به آمرة : نفذ الأوامر آيغور وبلا نقاش .

بسخرية أتبع الشاب الواقف قبالته : سمعتها أيها الخادم الوضيع ، قم بتنفيذ الأمر حالاً .

اشتعل الآخر غيضاً وسريعاً أحكم قبضته ليوجهها نحو خصمه الذي أمسكها بقوة و ردها له بأخرى ، بينما الفتاة صرخت بهما بقلق: توقفا حالاً عن العراك!

لم يستمع أياً منهما واستمرا بنزالٍ عنيف ، أفرغ كل واحدٍ فيه نقمته وغضبه من الآخر ، وأخيراً طرح سيكيم خصمه أرضاً وبكراهية زجره بينما يمسح الدم عن شفته : يكفيك هذا القدر من الذُّل أيها الجبان ، لن أضيع المزيد من الوقت معك .

اجتازه بينما الملقى على الأرض ينظره بحقدٍ وكراهية ، و حمراء الشعر تنظره يغادر دون أن تقدر على ردعه ، أخرجت كلماتها بصعوبة تداري كبريائها : آيغور ، هل تعرف فتاة تُدعى إيرينا ؟

نهض بثقل ويده على ذراعه الموجوعة قابضة : لا أدري إن كانت هي مقصدكِ ، إبنة عجوز القرية دونالد ، تلك الفتاة اللبوة المتوحشة ، من دعوتها بصديقتك .

قطبت حاجبيها محاولة التذكر وسرعان مالتفتت له مستذكرة : إنها تلك الطبيبة التي شاهدتها معه بضع مرات ، ولكن أذكر أنه كان برفقتها فتى صغير ، لابد وأنه ابنها .

أردفت بحيرة : لايمكن لسي أن يعشق فتاة متزوجة ولديها أطفال ،لابد أني أخطأت بشأنها ، لايعقل أن يحبها صحيح؟.

أجابها بابتسامة ماكرة : لاأظن ذلك ، بالأمس كان يدافع عنها بضراوة ، كما يحمي العاشق محبوبته .

صمتت وهي تنظره وفي أحشائها نارٌ مستعرة ،همت باللحاق به بيد أن الضخم أوقفها محذراً : لايجب أن يعلم أحدٌ أنكِ أدخلته وأني ساعدتكِ بذلك ، سأكون في ورطة حينها .

زجرته بسخط: لاتقلق لن أورطك ، كل شيء سيقع على عاتقي أنا وحسب ، لذا لاتتدخل .

تمتم محتجاً بينما تجاهلته تكمل طريقها وما إن ابتعدت حتى ضغط زر الانذار بابتسامة خبيثة " لن أضيع فرصة القضاء عليك مجدداً ؟!".

...........................

سار على غير هدى متسللاً يختبأ حالما سمع صوتاً لعابرٍ قريب ، وإذ بظلٍ يهرول نحوه في الظلمة بخفة ، هم أن يهاجم لولا أن اتضح وجهها حالما أصبحت قبالته وقد أغلقت فمه بكفها مشيرة له بالصمت .

أبعد كفها يهمس بضيق : لم لحقتِ بي ؟

أشارت له بإلحاحٍ أن يصمت وهي تشير للنافذة القريبة ، استند للجدار بسرعة يخفي نفسه في تلك الزاوية المظلمة، وقد اقتربت الفتاة منه تخفي نفسها معه بحذر ، وما إن ابتعدت الخطوات حتى تنهدت الشابة بارتياح : ذهبوا ، عليك أن تحذر فأحدهم قد لحظك حتماً ، لقد دقت الأجراس تنبأ عن دخيل ، أخشى أنهم تمكنوا من رؤيتك .

همهم ساخراً وأجاب بينما يتفحص الطريق: أراهن أنه صديقك ضخم الجسد صغير العقل .

_ من ؟ آيغور ؟! مستحيل ، لن يلقي بنفسه للهلكة .

اقتربت منه تتبعه متسللة كما يفعل : أنتِ وياللأسف تثقين بمن لايستحق الثقة .

هم أن يسرع نحو الجانب الآخر فاستوقفته وقد أصبحت قبالته : لم أثق بأي كان سواك ، وها أنت تخسر ثقتي .

مستهزئاً أجابها وهو يبعدها : ياللهول كم هذا مؤثر ، انظروا من يتحدث عن الثقة والخذلان .

ابتعد فتبعته بضجر : أنت تتمادى في الخطأ سي ، لما لاتراقب نفسك قليلاً بدلاً من تقفي أخطائي وعثراتي .

توقف فجأة وقد اتسعت عيناه بذهول وهو ينظر للأسفل حيث كان يقف على شرفة المدخل ، توجهت أنظارها لما كان ينظر وإذ به آرون مقيدٌ وحوله رجالٌ يقتادونه نحو بابٍ ضخم تصدَّر أحد جدران القصر الفاخرة .

_ إنه أبي !

جذبته إليها مسرعة وقد التفت أحد الرجال باحثاً عن مصدر الصوت .

_ هل جننت ؟!ماذا لو أنهم أمسكوا بك أتعرف ماسيكون مصيرك .

دفعها ليبعدها وهو يصرخ بها : طالما تعلمين ذلك لم جئتِ بي هاهنا ، ولكن على كل حال إني أشكركِ لهذه المبادرة ، فقد علمت أن والدي لايزال على قيد الحياة ، وأن صاحب الاتصال المجنون لابد هنا، ممتن لكِ حقاً .

صوت النداء ارتفع ترافقه خطواتٌ مسرعة هنا وهناك ، أطبقت فمه بكفها وهي تشير له بالصمت وقد استند كليهما لجدار يختبئان في العتمة ، بيد أن الفرار بات مستحيلاً ، فالظلال الكثيرة قد اجتمعت يتوسطها أحد الرؤوس الشيطانية بابتسامة نصرٍ متعطشة ، وعيون التمعت حقداً وكراهية .

................

غرفةٌ عالية جدرانها ، تتدلى من سقفها تلك الكريستالات اللامعة المضيئة ، زخرفت أرضيتها بنقوش فخمة ، وستائر طويلة منفرجة تلوح من خلفها انعكاس للأشعة الذهبية من خلف زجاج النافذة المذهبة ، وأخيراً تلك الأرائك الفاخرة التي توسطت الغرفة يستوطنها خمسة من الرجال بأبهة وعنجهية لاحدود لها .

تفرست العيون البندقية أوجههم ونشوة النصر تعلوها ، وكلٌ يمسك في يده كأس الاحتفال ، وعيونهم تنظره بازدراء وإذلال .

اقترب غريمه الأزلي منه خطواتٍ قطعها حين صار قبالته ، وبغرور أطلق ضحكة مستفزة أتبعها ساخراً : آرون ؛ انظر كم هو العالم صغير ، منذ سنواتٍ كنت تنظرني باحتقار وتدَّعي أنك الأفضل ، الرجل النزيه الذي لايُخطيء .. انظر لنفسك الآن .

ضحك من جديد بملأ فمه حتى صرخ به جذلاناً: أنت مجرد سجينٍ هارب من العدالة وأنا سيدك ، كلمة واحدة مني ستحدد مصيرك الملعون ، مارأيك بهذا .

ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة ساخرة وهو ينظره بثبات شامخاً: لقد ألبستموني العار لتغطو بواطنكم العفنة ، قد يكون ظاهري معتماً كظلام دواخلكم ، لكنك أكثر من يحرقه كوني نقي لم تلوثني قذارتكم من الداخل .. إنها الحقيقة التي تميتك ليونيد .

_لازلت متعجرفاً ، حتى كونك تقف صاغراً أمامي مقيداً لم يفهمك مدى صغر حجمك ومكانتك .

ابتسم وهو يتأمله بنظرة بعيدة ، سرعان مابادله إياها مستنكراً بغضب : هل تتجاهلني الآن وتهزأ بي؟

أومأ نفياً ببرود : إني أتذكر فقط ليونيد الصغير ، بذات النظرة المتمردة ، وبشعوره المستمر بالنقص ، يؤذي من حوله ليثبت أنه الأقوى ، لكن شيئاً من ضعفه ونقصه لايزول ، مستمراً بتذكيره بأن لاقيمة له .

صك على أسنانه بغيظ ،وبصعوبة حاول الحفاظ على هدوئه وهو يعود لمقعده بخيلاء يخاطب رفاقه الأربعة : إذاً أيها السادة المبجلين ، حان وقت القرار الأخير ، لنحدد مصير هذا الخائن ولنتخلص منه عله يهنأ بالانضمام لرفيقه في القبر .

نطق حليق الرأس وقد وقف قبالة النافذة ينظرهم وهو يحتسي شرابه : برأيي أن لاتتعجل بالخلاص منه ليونيد قبل أن نمسك بأطرافه الأخرى .. إن كانت موجودة كما يدَّعي.


صمت دونما رضاً فاقترب منه رمادي الشعر مربتاً على كتفه بيمناه : لاتغضب عزيزي ليو ، إن مارفيل على حق ، دعنا لانتعجل ؛ مصيره الموت حتماً ولكن ذلك سيؤجل لساعات قليلة فقط .

شاركهما زجاجي العينين ببرود : القرار الأخير في نهاية المطاف يعود للزعيم ؛ بعد إذنك سيدي ، كلنا رهن إشارتك .

توجهت العيون للمعني الذي تربع مقعده المخملي المذهب ، مكتسياً ثياب القسيس البيضاء بنقوش ذهبية زينت أطرافها ، ولحيته الصهباء الطويلة تداعبها أصابعه متأملاً السجين وهو يفكر بصمت، بينما رفع آرون رأسه بعزة دونما خضوع وفي جعبته اختزل قنبلة ادخرها لتنقذه من مصيرٍ يجهله.

............... .............

دقت الكنيسة أجراسها وقد تفرق الناس عدا الأربعة الذين جلسوا في الحديقة تائهة قلوبهم ، في ضياعٍ وحيرة .

تأملت الفتاة هاتف شقيقها الذي وجدوه ملقى دونما صاحبه ، والسماء بعينيها باتت مكدرة محمرة ، همست وكأنما تحدثه بحرقة : أين أنت أخي، لم تركتموني جميعاً لماذا ؟ ألا أحد منكم يشفق علي حقاً .

عادت تنحب ورملي الشعر يتأملها بعطف متألماً لحالها بيد أن لاحيلة له ، بينما جلست الشابة تحتضنها وتخفف عنها ، نطق ستيف وهو ينظر لرفيقه قلقاً : الأب وابنه معاً ، بحق السماء مالذي يجري ؟ ومن هؤلاء ؟ أوحقاً لايسعنا سوى الانتظار هكذا؟

زفر الآخر بضيق يجيبه : لا أعلم ، صدقاً لم أعد أعي أي شيء ، لايكاد يمضي يوم بسلام ، كل ماأرجوه أن يكونا بخير ولا أعلم لم .. لكني لست متفائلاً أبداً بعد هذه الجنازة .

_ لم أفهم ماترمي إليه !

التفت للقبر ينظره بحيرة وريبة : برأيك ألا يبدو الأمر غريباً ، أن يختطف كليهما في يوم جنازتها وكأن الأمر قد كان مدبراً بكل تفاصيله .

أومأ له إيجاباً مفكراً : أخشى أن يكون ماتقوله صحيح ،هذا يعني ...

نظر كليهما للفتاة التي كانت لاتزال تبكي وقد تملكها التعب ، التفتت الأخرى لهما حائرة ، عادت تنظرها وهي تربت على ظهرها بحنان : عزيزتي ، ماذا لو تخلدين للراحة قليلاً ريثما يبحث الشابين عنهما ، لايمكنكِ فعل شيء طالما أنت بهذه الحال .

صمتت ولم تجب بينما أردفت ايرينا تخاطبهما : يجب أن نأخذها لمنزلها علها تخلد للراحة .

أجابها ستيف بهدوئه المعتاد : سأصحبها لمنزلي اذاً لتهتم والدتي بها .

قاطعه ديريك معارضاً : لم منزلك ؟! بامكاني أخذها لعمتها .

_ ديريك إن كنت نسيت فهي لاتسكن هاهنا ، الفتاة متعبة ومنزلنا هو الأقرب .

أومأ بالنفي مستاءاً : لايمكن لن يقبل بذلك سيكيم .

أجابه مستنكراً : أنا لن أكون بالمنزل ديريك مالسيء بالأمر لست أفهم ؟!

صمت دون أن يجد إجابة مرضية ، بينما قطعت الشابة النزاع بضيق : كفاكما شجاراً ، سأصحبها لمنزلي ولتقطعا جدالكما العقيم هذا .

رد ديريك برضاً : حسناً هذا أفضل .

بينما تنهد ستيف بعمق : إنه الحل الأفضل بالفعل ، دعيني أوصلكما إذاً .

قاطعه ديريك مجدداً بتذمر : مابك تقفز هكذا في كل أمر ، سأوصلهما بنفسي فأنت لاتعلم حتى أين يكون منزلها !

مستنكراً أجابه : هذا لأنها جائت برفقتي ومن واجبي إعادتها بنفسي ، هذا كل مافي الأمر .

التفت كليهما للشابتين وقد نهضتا تعين الكُبرى الفتاة بحذر وحرص ، نظرتهما معاتبة بضيق : استمرا في الجدال ، نحن ذاهبتان على كل حال .

باعتذار تبعها أبنوسي الشعر : لم أقصد الجدال أبداً ، إني أعتذر لمضايقتكما ، تعالا رجاءاً .

فتح باب السيارة وباستسلام رافقته كلتيهما بينما التفت نحو ديريك مؤنباً : كف عن تصرفاتك الطفولية فذا ليس وقتها .

زفر بضيق متذمراً وببرود توجه ناحيتهم يرافقهم الطريق الطويل نحو القرية ، والصمت كان سيدهم .. قطعه ديريك بعد حينٍ وهو ينظر رفيقه بحيرة : من أين تعرفها ؟

أجابه دون أن يلتفت : لم يثير الأمر فضولك ؟

_ ليس كذلك .. لكني أتسائل فقط إذ يبدو لي الأمر غريباً .

أتاه صوتها مستاءة : الفتاة قد غفت للتو كونا هادئين .

أتبعت تقطع فضول الشاب : إنني أعمل في المشفى الذي يملكه السيد ستيفان ، وليسلم هو من يقوم بمساعدتي لتوفير كل مانحتاج من دواء ومستلزمات طبية من أجل القرية ، وبفضله بإمكاني العمل في القرية و المدينة وقتما أشاء .

همهم بتفهم بينما الآخر رد بلباقة : الفضل يعود لكِ في المقام الأول ،إنك تعملين بجدٍ دون كلل ، وقد منحتني الفرصة لتقديم المساعدة فالشكر لكِ ولآدم على هذا ، إنه لشرف عظيم لي .

تمتم ديريك بضجر : ياللتواضع ، مثاليتك تثير اشمئزازي .

أسند رأسه للنافذة متجاهلاً صاحبه و مفكراً بقلق وحيرة "أين أنت الآن سيكيم ؟" .

..............................

أمامه قد وقفت وقد مدت ذراعيها تمنعهم من الإقتراب : ابتعدوا الآن حالاً ، ليس ذنبه أنا من جئت به هاهنا .

خطواتٍ قريبة جعلت الرجال يفسحون الطريق للقادم وقد لاحت من الظلمة عيونه المشتعلة بابتسامة خبيثة منتصرة ، من خلفه تقدم رجلٌ حليق الرأس بملابس بيضاء ورداءٌ يعلوها .

أبعدها الشاب برفق بينما هي تنظره ذاهلة : سيكيم ماذا تفعل ، لاتقل أنك ستواجههم وحدك لاتكن مجنوناً .

_ وهل تركتِ لي خياراً آخر .

أضاف وهو يتأملها : لن أحتمي بكِ مجدداً أبداً ، لذا رجاءاً لاتتدخلي كريس.

ابتعد وهي تنظره بألم وجلة بينما نطق الواقف قبالته بكل رصانة : من صالحك الاستسلام بهدوء ، فمواجهتك تعني الانتحار ألا تدرك ذلك .

أجاب بهدوء وثقة : لم آتي هنا بإرادتي أو رغبة مني برؤيتكم ، وإن كان ولابد .. أود الموت بشرفٍ بدلاً من الخضوع لكم .

ابتسم ساخراً وأشار لرجاله : حققو له أمنيته السعيدة تلك إذاً .

تقدمهم الضخم متأهباً بحماس والفتاة قد صرخت به : إياك أن تؤذيه آيغور وإلا سيكون حسابك عسيراً .. لاتنس أنك من جاء به وخالف الأوامر .

ضحك هازئاً وأجاب بصوته الشيطاني: يالكِ من ساذجة ! لم تعد لكِ أي قيمة ياصغيرة لأنفذ أوامرك ، جئت به لأتخلص منه للأبد ،وأنت ساعدتني على ذلك فشكراً لكِ .

ازدرت ريقها بغصة والخوف قد تملك كيانها، وهي تنظرهما وقد بدأ الضخم القتال بكل حماس ،والآخر يتصدى له ببراعة حتى بدأ هو الآخر يهاجمه ليباغته بلكمة قوية على أنفه وركلة أسقطت ساقه اليسرى حتى أصبح شبه جاثٍ على الأرض .

صرخ به وهو يستمر باضعافه دون انتظارٍ منه ليأخذ قسطاً من الراحة : كم مرة علي أن أهزمك لتستسلم أيها الضخم ضئيل العقل!

كان الآخر يتلوى من الألم وهو يجلجل بجنون : أيها الحقير سأقتلك ! هاجموه أيها الحمقى إلاما تنظرون ها !.

استجاب له الرجال وأسرعوا بمهاجمته من كل ناحية ،وهو يحاول التصدي لهم جاهداً ، بينما الرجل الأعلى مكانة توجه ناحية الفتاة التي كانت تنظرهم مذعورة قلقة : آنسة كريستينا ، لقد قمتِ بخرق القوانين مجدداً ، مجبر على معاقبتكِ ولا أظن أن والدكِ سيغفر ذلك لكِ .

بتوسلٍ أجابته وندم : أرجوك مرهم أن يتركوه لن أكررها مجدداً ، أتوسل إليك اتركه ليرحل .

أومأ بالنفي وأمسك بيديها يقيدهما، وقد أمر أحد رجاله بأخذها بعيداً ،وهي تدافعه بجهد تشيع الشاب بعيونها متألمة نادمة .

وقع أخيراً مجهداً وقد اقترب منه أحدهم يقيد يديه للخلف دون أن يقدر على مقاومته ، وما إن أوقفه حتى بدأ الضخم يأخذ بثأره يلكمه بجنون دون أن يسمح له بالتقاط أنفاسه : لم لاتتوسلني لتركك ياهذا لم لاتصرخ وتتذلل أيها الوضيع !

أجابه بتعبٍ وهو بالكاد يستطيع التنفس وقد أطلق ضحكة قصيرة ساخرة : يبدو أنك..لم تعرفني بعد ، منذ طفولتي .. وأنا أتلقى الضرب .. من المسوخ الجبناء أمثالك .. لقد تخدر هذا الجسد .. لم أعد أشعر بالألم ، لو كنت رجلاً .. لواجهتني وحدك.. لكنك لست كذلك .

ابتسم غريمه ساخراً وبحقد ضغط على عنقه بكل قواه و بدأ يفقد أنفاسه الضعيفة شيئاً فشيئاً حتى أمسك سيده بكفه المدماة يبعدها عنه وهو ينظره ببرود : لاتقتله .. نحتاجه حياً.

صرخ به بغضب عارم : مجدداً! ولم لانقتله أعطني سبباً واحداً فقط لتركه .

أخرج الرجل منديله واقترب من سيكيم الذي بدأ يحاول استعادة أنفاسه بجهد ، مسح الدم عن وجهه وبخبث أجاب : ستكون هديتك للقائد كي يصفح عنك ، إنه بحاجة له لإضعاف أحدهم ، صدقني .. سيشكرك كثيراً .

تمتم سيكيم بضعف : أبي !

وشيئاً فشيئاً بدأ يغيب عن الوعي رغم محاولته المقاومة .

_ خذه للسجن مارتن ، رافقه آيغور .. دون إحداث متاعب أكثر رجاءاً.

تأفف بضجرٍ مجيباً باستسلام : بأمرك سيد روبرت .

.................................

فتح الباب تطل منه غائمة العينين بابتسامة هادئة حانية وقد اقتربت من الفتاة الجالسة على الفراش مرتحلة بأفكارها للبعيد ،محتضنة ركبتيها وقد جمعت شعرها بفوضوية في مشبك صغير .

جلست بجوارها وقد وضعت قبالتها طبقاً من الطعام والشراب الساخن ، مسحت على ظهرها مواسية تحادثها بصوتها الرخيم : عزيزتي .. أفهم كم هو قاسٍ ماتواجهينه الآن ، لكن أن تظلي عاجزة هكذا منهكة ومنهارة لن يساعدك بشيء .

أزالت المشبك فتناثرت خصلاتها الذهبية المموجة ، فبدأت تسرحها لها بابتسامة عذبة : حاولي أن تستعيدي قواكِ سريعاً ، لن يسرهما رؤيتكِ بهذه الحال .

أجابتها بصوتٍ ضعيف متعب : ماذا لو لم يعد أياً منهما .. ماذا لو بقيت وحيدة .

أكملت الظفيرة وربطتها بعقدة صغيرة ، ثم أدارت الفتاة نحوها تتأملها وهي تحتضن كفيها : وماذا لو عادا ؟ أوليس التفكير بهذا الخيار أفضل ؟

بغصة نطقت وهي تقبض كفيها : لقد .. كنت قاسية معه ، قلت له الكثير من الكلمات الجارحة ، ونسيت كم تألم هو الآخر منذ طفولته .. ماذا لو فقدته قبل أن أعتذر .. ووالدي .. لم أكتف من دفئه بعد ، لم أبح له بألمي ، لم أخبره كم أنا فخورة به وواثقة بأنه الأكثر إخلاصاً ونقاءاً .

احتضنتها بحنانٍ تمسح شعرها : لابد وأنهما يعرفان هذا جيداً ، أحياناً شعورنا بالألم قد يجبرنا على قول مالانرغب به ، كلماتٌ نطقها لساننا مخالفاً ماأخفيناه في قلوبنا .

أكملت بألمٍ وذكراها الأخيرة تجرِّح فؤادها : حين رحل زوجي .. قلت له أني لن أسامحه ، عاتبته كثيراً .. وكان لقاء عيوننا الأخير مؤلماً ، لا أنسى كيف كنت أنظره بعتابٍ ولوم ، والآن إني أتألم كلما تذكرت ذلك ..وأعتذر منه في كل حين .

تلاقت عيونهما الموجعة تبث كل واحدة ألمها للأخرى ، وبابتسامة أجبرت نفسها على اظهارها وهي تمسك كفيها من جديد : لم أتعرف على والدكِ بعد ، ولم أعش الكثير مع أخيك .. لكنها كانت فترة كافية لأتعرف لشخصيته ، ليس بالشخص الذي يمكنه الاستسلام بسهولة ، ومهما واجه من صعاب فهو يعود منها بقوة أكبر ، وإن كان قد ورث ذلك من والدكِ أيضاً فعليكِ الاطمئنان .








 
 توقيع : آدِيت~Edith

مواضيع : آدِيت~Edith


التعديل الأخير تم بواسطة آدِيت~Edith ; 10-29-2022 الساعة 12:22 PM

رد مع اقتباس
قديم 10-28-2022, 05:21 PM   #88
آدِيت~Edith
https://www.anime-tooon.com/up/uploads/at165286508456371.png


الصورة الرمزية آدِيت~Edith
آدِيت~Edith متواجد حالياً










أومأت ايجاباً بامتنان : إني أرجو ذلك حقاً .

قاطعهما طرقٌ على الباب ، وماإن أذنت السيدة للطارق بالدخول حتى دلف للغرفة الصبي يحمل أخيه الصغير بحرص : أمي جوزيف جائع .

_ شكراً لك عزيزي لاهتمامك به .

أخذته منه واحتضنته والفتاة تتأملهما بابتسامة ذابلة : لم أكن أعلم أنك أمٌ لطفلين ، كم هما لطيفين للغاية .

بادلتها بابتسامة حانية : هذان الصغيران هما من يمنحاني القوة للاستمرار بالعيش رغم كل شيء .

اقتربت تيريزا تنظر الصغير وتلاعبه : كم هو لطيف للغاية ، دعيني أطعمه من فضلك.

_ بكل سرور ، سأحضر له طعامه في الحال ، وتناولي طعامك أنتِ أيضاً رجاءاً .

أومأت لها إيجاباً وعادت تلاعب الصغير وقد اقترب نوح منهما بابتسامة لطيفة يشاركهما .

تأملتهم الشابة مطمئنة وخرجت بهدوء وإذ بديريك يستقبلها قلقاً : كيف هي الآن ؟

_ ستكون أفضل لاتقلق ، لكن لايمكننا البقاء مكتوفي الأيدي ،يجب أن نجدهما ليطمئن فؤادها .

_ لقد أخبرت الرفاق ليبدأو البحث ، وسأخرج بعد قليل لمركز الشرطة علنا نصل لدليل ما .

_ أرجو أن تجدهما سريعاً ، وأن يكونا بخير .

_ أرجو ذلك .. اهتمي بها أرجوك ريثما أعود .

_ لاتقلق لن أتركها بمفردها مطلقاً .

نظرها بامتنان وعاد أدراجه نحو صاحبه يخاطبه بعزم : لننطلق ستيف ، إن لم تكن مشغولاً بالطبع .

_ لاتقلق ، لن يشغلني أي شيء عن رفاقي ، من أين نبدأ؟

_ سنفهم حالما نصل لمركز الشرطة ، لابد أنهم وجدوا خيطاً ما .

أومأ موافقاً وانطلق كليهما في طريقه برجاءِ أنهما لم يتأخرا .
.............

رعشة سرت في جسده والبرد قد أحاطه في ظلمة حالكة ، حاول أن يدفأ جسده بيد أنه لم يكن قادراً على تحريك ذراعيه المقيدتين بقيود لاتُكسر ، رفع رأسه فاصطدم بسقف القفص الصغير الذي احتجز فيه دون أن يقدر على تحريك أطرافه بحرية .

بدأت أنفاسه تتسارع وذكرياتٌ من طفولته عادت تتجلى أمامه يستعيد معها أكبر كوابيسه ، شيء لامس جلده أثار به القشعريرة والذعر حالما شاهده يجوب البقعة القذرة ، ليس واحداً أو اثنين .. كانت الفئران تجوب البقعة تقضم ماتراه من بقايا الطعام .

أخذ يضرب القفص بمااستطاع وهو يصرخ عل هناك من ينجده : أيها الأوغاد اخرجوني من هنا !

صوت أمه اقتحم رأسه مشوشاً ضعيفاً مختلطاً وذكرياته المعتمة " هذا عقابك أيها الطفل المتمرد ، ستبقى محتجزاً هنا مع الفئران لتأكلك " .

عاوده الطنين فأغمض عينيه متوجعاً يلهث بتعب ، وسرعان ماعاد يصرخ بما أوتي من قوة : ليخرجني أحدكم ، أخرجوني أيها الجبناء .

في الناحية الأخرى ، كان أحدهم يراقب ذلك بنشوة ، نطق مهنئاً الواقف بجواره يشاهد معه من وراء الشاشة الضخمة غريمه متلذذاً بتعذيبه : لقد أحسنت لأول مرة آيغور .. صدقني سيعجب القائد بعملك هذا وسيكافئك حتماً .

بغرور أجابه : على الرحب سيدي ، ولكن .. ماسيكون عقاب حمراء الشعر ؟

رد بانزعاج : إنها عنصر غيرنافع البتة ، جالبة للمتاعب ،حمقاء لاعقل لها ، كم أتمنى الخلاص منها وأنتظر الإذن بذلك .. ولكن للأسف ليونيد لن يتخلى عنها بسهولة ، لازال لايدرك أنها ستكون سبب شقائه .

بتردد نطق وقد عقد ذراعيه لصدره : إنها لاتزال شابة طائشة ، لكنها ستدرك الحقائق مع كل صفعة تتلقاها ، وستفهم مكانتها جيداً لتختار المكان الصحيح .

بلا اكتراث رد وهو يخرج من الغرفة : أرجو ذلك .. اهتم بالسجين ريثما أمنح البُشرى للزعيم ليقرر مانفعله بشأنه .

أومأ ايجاباً بينما أكد الآخر قبل أن يرحل وهو ينظر لعينيه بحدة : ورجاءاً لاتفسد الأمر ريثما أعود .

_ بأمرك .. اطمئن سيدي .

...............................

أمام مكتبه كان يجلس يقلب الصفحات بانزعاج وتململ ، وأخيراً استسلم مغلقاً إياها وقد أسند ظهره للمقعد متنهداً بارتياح .

جالت عيناه متفحصة تلك الغرفة بحرص ، لسبب ما لم يكن يشعر بالطمئنينة كما لو كان مراقباً ، نهض تتفحص كفه الجدار والزوايا ، أسفل الطاولة والكرسي ، وأرفف المكتبة وحتى إصيص الزهور والتحف المرصوفة بكل ناحية .

في تلك الأثناء طرق الباب ودون انتظار الاذن دخلت الفتاة تنظره بريبة وبيدها فنجان قهوة : عفواً سيد إيفان ، أحضرت لك القهوة .

رفع زاوية فمه مبتسماً وقد بات موقناً أن ظنونه لم تكن عابثة ، وبنبرة ذات مغزى أجابها : شكراً لكِ ، لطفٌ بالغ منكِ .

اقترب منها وهو يأخذ القهوة محذراً : إنما رجائي أن تنتظري أن آذن لكِ بالدخول قبل اقتحام مكتبي بهذا الشكل ، وأيضاً .. لاتحضري القهوة دون أن أطلبها ؛ من فضلك .

قطبت حاجبيها تجيبه بدهاء : إنني أتبع أوامر السيد آندريه فقط ، ومن الأفضل لك أن تفعل ، كي لاتقع بالمتاعب .

_ اممم .. نصيحة جميلة ، سأتجاهلها بكل سرور .

عاد لمكتبه يحتسي القهوة بينما كانت تنظره بنزعاج ، وما إن همت بالخروج حتى استوقفها بنبرة ساخرة : بالمناسبة .. أين ذهب سيدكِ آندريه ؟ ألا يفترض بي كوني مساعده أن أعرف جدوله وأين يكون ؟

ابتسمت بغرور وهي تنظره بازدراء : لديه اجتماع مهم ولن يعود حتى الغد ، مهمتك فقط إنهاء مابيدك من ملفات أيها المبتديء ، ورجاءاً لاتتدخل بالأمور الأخرى حتى لاتُطرد باكراً .

خرجت مغلقة الباب من خلفها بينما ابتسم إيفان بتحدٍ وهو يتأمل الناحية التي مُنع من الاقتراب منها : تراقبني إذاً أيها المتحذلق ، بت متشوقاً لمعرفة ماتخفي في جعبتك .

.................

الغيوم تعانقت من جديد ، فالشتاء الذي لاينتهي بدا موشكاً على الرحيل أخيراً ، تذيب أمطاره بقايا تراكمات الثلوج ليزداد الصقيع مغلقاً القلوب قبل مايكتسيها .

عيونه كانت ترقبهم بينما قلبه ارتحل إلى حيث أحبة تركهم خلفه ، يتذكر القبر ومن احتوته ، لحظات حبه الجميل الذي لم تكتمل سطوره ، وكيف لم يسعفه الوقت لوداعها وعتابها .

يتذكر فتاته الصغيرة المدللة ، وكيف أمست شاحبة متعبة كما لو أنها كبرت مذ تركها أعواماً كثيرة .

يتذكر العيون الصافية الزرقة وقد تكدرت مهمومة متعبة ، لم يعد صاحبها المبتهج عادة كما كان ، لم يكن لغروره واعتزازه بنفسه مكان ..

تلك العواصف التي هبت بأعماقه تدمر كيانه لم يسمح لها بالانعكاس على قسماته الهادئة الثابتة ، دون ضعف أو انهزام .

قطع خلوه بأفكاره صوت الأصهب وهو يقف متكئاً على عكازه الفاخر بصوته المهيب : لوديس .. قم بقتله دون انتظار .

التفت له زجاجي العينين يجيبه باحترامٍ وقد أخرج سلاحه ووجهه نحو آرون بتأهب ، أوقفه رمادي الشعر بحماسة متعطشاً لقتله : رجاءاً سيدي الموقر .. دع هذه المهمة لي ، لقد مضى شهر مذ شاهدت جثة مدماة أمامي ، لا أريد ترك هذه الفرصة أبداً ، كم أنا متشوق لنيل هذه المتعة بنفسي .

التفت أسود الشعر لسيده بلا اهتمامٍ منتظراً إذنه ، وماإن منحه الإذن حتى ألقى سلاحه نحو رفيقه، الذي التقفه بابتسامة شيطانية ووجهه نحو خصمهم الواقف أمامه بشموخ .

كانت الأنظار ترقبهم بين مؤيد ومعارض ، في ثوانٍ ثقيلة كالدهر جعلت من فؤاده المشتعل مجمراً لاينطفيء ، وبصعوبة نطق منقذاً نفسه من براثن الموت : في السابع والعشرين من ديسمبر .

أشار ليونيد لصاحبه بأن يتريث والأنظار قد توجهت نحو الأسير مترقبة وجلة ، بينما أكمل وهو ينظرهم بحدة : لن تنسى ذلك التاريخ أبداً أليس كذلك ؟,كنت أنت وصاحبيك هذين في مكتبك بروستوف ، ذلك اللقاء الشيطاني الذي اتفقتم فيه على قتل ميخائيل ، وإلصاق التهمة بجندي بريء ثم عمدتم لطرده، وبعدها ألصقتم التهم بذلك القائد النبيل لتتهموه بما يليق بكم ، تماماً كما فعلتم معي ، ومع الرئيس غابرييل الذي قتلتموه في منزله في التاسع من أبريل ، ثم أحرقتم منزله وعائلته و اتهمتوني بهذه الجريمة !

من خلف غضبه لاحت ابتسامة ناقمة : مابكم ؟هل ابتلعتم ألسنتكم ؟ لازال هناك الكثير بعد من الجرائم التي ألبستموها الأبرياء ، لتعيشوا حياتكم المعتمة المكتظة بالأكاذيب والدماء ، تاركين خلفكم أيتاماً وقلوبا جريحة معذبة .

نطق ليونيد بلاتفكير : كم مرة قلت لكم أنه يراقبنا ، أنه يعلم الكثير وكنتم تكررون أنها مجرد مخاوف لا صحة لها ؟

زفر رمادي الشعر متذمراً : هل هذا يعني تأجيل الأمر ؟ كنت أستمتع تواً .

بهدوء ورصانة سأله ليلي الشعر وعيناه ترقبانه بنظرته الجليدية : مالأدلة التي تملكها ؟ ومن شركائك ياهذا ؟

أجابه بابتسامته الساخرة الهادئة : لاتنتظر مني البوح بذلك بسهولة صحيح ؟

رد بجبروت وخيلاء : تختار الطريق الأصعب إذاً .

_ يؤسفني أن لا يوجد أمامك أي طريق تسلكه لاقناعي ، فحتى الموت لن يوقفني عن افتضاحكم والإيقاع بكم .

ساد الصمت وكلٌ ينظر الآخر منتظراً الإشارة منه ، بينما هو ينظرهم وصورٌ من ذكريات صباه وشبابه تتجلى في باطنه دافئة مؤلمة ، لذلك الصديق الذي لم يستطع توديعه .

" _ آرون .. لقد بعثت لك بصندوق سري ، حافظ عليه جيداً رجاءاً ، أشعر أنهم يتربصون بي ، لايمكنني أن أثق بسواك ، لقد أصبح الوضع في المعسكر سيئاً ، ليونيد يخطط في الخفاء لاستغلال الجنود وتسخيرهم لصالحه ، لقد أصبح مجرد خائنٍ لاقيمة له ، وقد قطع آخر رابطة بينه وبيننا ، لم يعد ذلك الصديق الذي عرفناه يوماً ..أترك ابني وعائلتي وفريقي أمانة لديك ... كن بخير آرون ، وإلى لقاءٍ قريب "

أغمض عينيه بقهر وهو يذكر كيف وقف في جنازته وكأنما قد اقتطع جزءٌ من روحه ، يقسم أمام قبره بأن يثأر له ويُقبر قاتليه ويمحو مملكتهم المعتمة .

وافدٌ جديد انضم لهم وقد توجه نحو الأربعة يقف أمام ليونيد باحترام ، سرعان ما سأله رغم انهماكه في التفكير بحل لمعضلته : مالذي جاء بك روبرت ؟


علت ثغره ابتسامة خبيثة وهو يتأمل السجين بنظرة متوعدة : سيدي .. أتيتك بهدية بسيطة من خادمك آيغور ، إنه واثق بأنك ستحبها وتحتاجها .

قطب حاجبيه متسائلاً مستنكراً ، وما إن قام بتشغيل العرض حتى سمع آرون صوت ابنه مبحوحاً ضعيفاً ، تسارعت دقات قلبه وقد اتسعت عيناه بذهول رغم محاولته اخفاء ذعره وقلقه .

انبلجت شفتا غريمه بابتسامة عريضة أتبعها بضحكة شيطانية معتمة : يالهذه الهدية القيمة ، إنها أكثر ما أريد وأحتاج .

وقف رمادي الشعر بجواره بفضول وحيرة : مالذي جاء به إلى هنا ، كان يجب أن يشهد خسارته لوالده بعد والدته وأن يجن لذلك ، من الوضيع الذي أفسد متعتي ؟

أجابه ليونيد بلا اكتراث : إن المتعة الحقيقية هي هذه عزيزي آندريه .

تململ الأخير منزعجاً ، بينما أتبع أحمر الشعر وهو ينظر آرون بتحدٍ وغطرسة : انظر لابنك العزيز ، إنه سجين في قفص الكلاب كما يستحق ، ابنك سليط اللسان بين أيدينا آرون ، كفاك غروراً ، لاتقاوم أكثر وإلا فقدته للأبد .

ظلت العينان المهيبتان تنظره بصلابة حتى أجفلته وأنسته ماكان به يحفل ، نطق بشموخه رغم مابأعماقه من هشيم : لم تبدو سعيداً هكذا ؟ ، رغم أني لم أُدهش أبداً لما تفعل، لن أنتظر من أمثالكم مواقف الرجال والنبلاء ، لأنكم أضعف وأتفه الأشياء التي وجدت على ظهر البسيطة ، لستم بشراً ، ولستم حيواناتٍ حتى ، لأنها أكثر نفعاً منكم .. مجرد أشياء عديمة القيمة بلا معنى .

صرخ به بحقد وكراهية لاحدود لها : أغلق فمك أيها الوضيع قبل أن آمرهم بنسف كلبك الحقير هذا !

ربت لوديس على كتفه يحاول تهدئته بينما تكلم أخيراً ببروده المعتاد : اختر الآن قبل أن ينفذ الوقت منك فتخسر ، إما حياتك .. أو حياة ابنك .

صمت برهة وهو يتأمل رفيقه القديم بحرقة تجلت في صوته الذي أخرجه بصعوبة : لقد امتحنتني بابني .. ولا يسعني سوى تمني المثل لك .

دقت أجراس الانذار فجأة مدوية تبعثر الأنحاء ، نظر الأربعة نحو كبيرهم ينتظرون الأمر منه ، وسرعان ما أشار لهم بالتمهل والانتظار .

صوت الحارس الذي اقتحم الغرفة يصرخ بهم بذعر أجفلهم : الآنسة كريستينا على وشك الموت ياسيدي !

وكأنما صاعقة قد حلت بليونيد الذي خرج مسرعاً يتبع رجاله وقد عمت الفوضى القصر ، حتى إذا ماوقف في الحديقة رفع رأسه ينظرها ،وقد خرجت من شرفتها تقف على السور والرياح تعصف بها وقد بللتها قطرات المطر الكثيفة .

صرخ بها بذعر كمن يوشك أن يفقد عقله : هذا خطر كريستينا عودي ، لاتفعلي أرجوكِ ياابنتي ، افعلوا شيئاً أنقذوها !

_ سيدي لا نستطيع الاقتراب ، نخشى أن تلقي بنفسها من الشرفة فتموت .

عاد يتوسلها بحرقة : انزلي أرجوك لاتفعلي بي هذا .

تأملته بدموعها اليائسة وبصوت مرتعش نطقت أخيراً : لم؟ ألم تمت أمي هكذا أيضاً ؟ ألم تقل أنك لم تحبها يوماً .. كذلك أنا ، أنت لم تحبني يوماً أبي .

_ ياابنتي أرجوكِ لاتفعلي بي هذا ، أنتِ تعلمين كم أضحي لأجلكِ .

أومأت بالنفي تجيبه كمن لاروح لها : قلت أنك كنت تتمنى أن أولد صبياً ، ظللت تكرر ذلك مراراً حتى كرهت نفسي ، وبحثت عمن يحبني .. الجميع كان يهزأ بي ، يراني فتاة صبيانية لاتملك من الأنثى سوى مظهرها .

صرخت به بألم ودموعها قد اختلطت بذرات المطر الباردة : فعلت كل شيء لارضائك ، لقد خنت الشخص الوحيد الذي أحبني واهتم بي فقط لأجلك ، لقد دمرته وآلمته لكي أحظى على قلبك أنت .. لكنك لم تنظر لي ابداً .. لم تهتم لأمري ولا لما أريد ..

مسحت دموعها بكفيها المكبلتين وعادت تكمل بقوة محذرة : لن أكون شاهدة على موته أبداً ، إن أردت الخلاص منه .. لتشهد جنازتي أولاً ... الوداع يا.. أبي .

.....................








 
 توقيع : آدِيت~Edith

مواضيع : آدِيت~Edith


التعديل الأخير تم بواسطة آدِيت~Edith ; 10-29-2022 الساعة 12:24 PM

رد مع اقتباس
قديم 11-08-2022, 07:12 AM   #89
آدِيت~Edith
https://www.anime-tooon.com/up/uploads/at165286508456371.png


الصورة الرمزية آدِيت~Edith
آدِيت~Edith متواجد حالياً
















قيود محطمة



لست بعيداً ، تنظرني وترقبني دائماً بقلبك قبل ناظريك ، أستشعر روحك الدافئة تشعل الثلوج حولي ،تجعلني أعيش النعيم ، وإن كان ماحولي جحيماً ..

عندما أرقبك ؛ أعرف مامعنى أن تكون إنساناً ، بكل ماتحويه الكلمة من معنى .. وعاطفة .. ومكنون .

أدرك أنك معي أينما كنت ، تمسك كفي دون أن تفلتها ، تمنح روحك وكيانك وكل ماتملك .. لأجلي ..


لو كان في الأحياء من لايجب أن يفنى ؛ فهو أنت .. أيها الملاك الطاهر .

..............................

صمت .. ولاشيء سواه ، المطر وحده كان يحكي ، فقد ألجمت الألسن دون أن تجد للحديث سبيلاً ، مكتظة احتجاجاتهم اللا ناطقة ، مخذولة أراوحهم الناقمة .

إشارة واحدة كانت كفيلة بإيقاف تلك الزوبعة ، ليستجيب الحارس بوضاعة لسيده ، يقود السجين خارج الغرفة الباردة ؛ إلى سجنه الجديد .

عيونه كانت تُبصر البعيد ، مرتحلة لروحه التي سُجنت بينهم معذبة ، وقلبه المنتفض غضباً يوشك أن يثور .

نطق وفي هدوئه غضبٌ مُحرق : أين سجنتموه؟

أتاه صوت سجانه ساخراً بابتسام : من ؟ كلبك المتوحش؟

بنظرة حادة أجفله وأرعبه فأخفى ابتسامته سريعاً : سُجن في القبو ، في السجون الخاصة بالحيوانات .

قبض كفه والغضب قد أشعل لهيبه محرقاً آخر ذرة صبرٍ وثباتٍ حاول الحفاظ عليها ، تحدث آمراً : خذني إليه .

مستنكراً أخذ ينظره دون إجابة ، وإذ به يعاود أمره صارخاً بنقمة قاتلة : قلت خذني له الآن حالاً .

أومأ بالنفي وبتردد : لايمكنني ، أتريد أن يقتلني الرجال ؟ أنت سجين أيضاً كيف لي أن أمنحك ماتريد !

_ هكذا اذاً .. أنت أردت هذا .

ضربة أسقطته بلا وعي قبل أن يدركها ، وعلى الفور بدأ صاحبها ينبش جيوب سجانه يستخرج منها مفتاح خلاصه .

فتح قيوده ببراعة ؛والتقف السلاح من الجسد الملقى؛ وسريعاً بدأ يبحث في الممرات والردهات عن مطلبه متسللاً .

..........................

تائهة الخطى كانت تسير ؛في ظلامٍ حالك تردد في صداه بكاء رضيعٍ لا كيان له ، شيء بارد بلل تلكما القدمين العاريتين ، أخفضت العيون تنظره وإذ بها حمرة غطت البقعة الخضراء ممتدة .

سارت تتبعها مذعورة وجسدها المرتعش كما قلبها يحاول الثبات ، توقفت أخيراً متعثرة بالجسد الملقى دونما حراك .

تسارعت أنفاسها وهي تنظر توأمها ممددة ترقد مغتسلة بالنجيع ، تراجعت للخلف خطواتٍ وشهقاتها الفزعة تكاد تخطف روحها .

جسدٌ من خلفها أوقفها فاستدارت تنظره بعينين ذاهلتين ، كان يقف بغضبٍ اشتعل بعشبيتيه ويده اليسرى تحمل رضيعاً بقماط أبيض طويل ، بينما اليمنى تمسك سكيناً سرعان ما عانقت الجسد الصغير مخلفة الكثير من الدماء المتطايرة .

صرخت فزعة وهي تنظر النجيع الذي تناثر على يديها ووجهها حتى سقطت على الأرض تزحف للخلف وهي تلتفت حولها خائفة تكاد تفقد وعيها .

وإذ بعيونٍ حاقدة تنظرها كما الأفعى بابتسامة شيطانية ، وصاحبها يحمل سلاحه ويصوبه نحوها يريد سلب روحها .

_ لاتفعل ! اتركوني جميعاً .. لاتقتلني !

صرخت مرعوبة ؛وصوت الرصاص المدوي كان آخر ماسمعت؛ قبل أن تستفيق وأنفاسها متلاحقة مضطربة .

انتفضت حالما سمعت صوت الباب يفتح، وقد وجهت ناظريها للوافد بخوف مرتعشة الجسد .

سار خطواتٍ نحوها وضوء القمر المتسلل للغرفة قد انعكس على كيانه، وعيونه الخضراء تنظرها بحيرة .

_ حسبتكِ نائمة ، لقد عدت للتو .

لم تجبه ؛ ظلت تتأمله جاحظة العيون ، وبقايا كابوسها عالقة بقلبها المرعوب ، زحفت للخلف مع اقترابه تتمتم بذعر : ابق بعيداً .. لاتقترب!

توقف وقد ازدادت حيرته دون أن يفهم ماتحاربه في خلجاتها: ساشا .. إنه أنا ؛ إيفان ماخطبكِ؟

صرخت به وقد التقفت سريعاً الكأس من على المنضدة ورفعته مهددة : إن دنوت مني خطوة أخرى فسأقتلك !

_ هل أنتِ جادة ؟!

بلا نقاش رمت الكأس عند قدميه فتناثرت قطع الزجاج وهو ينظرها ذاهلاً ، رفع عينيه يرقب الفتاة الغاضبة وقد أمسكت بقطعة من الزجاج متوعدة :اخرج .. في الحال .

ازدرى ريقه والحيرة قد تملكته وعقله يحاول جاهداً إيجاد تفسير منطقي لما يحدث .

_ ستجرح يدكِ ،حذارِ .

مستنكرة أجابته بسخرية : وهل تهتم ! لقد قتلتني ألف مرة ياهذا وتزعم أنك تقلق أن أجرح يدي ؟!لا أصدقك ؛ الرجل الذي يخطط للخلاص من ابنه حتى ، كيف يمكنه أن يقلق بشأن جرح صغير ها ؟!

صرخت بكلماتها الأخيرة وعيونه ترقب كفها المدماة وقد ضغطت دون وعي على قطعة الزجاج ، نطق بصوت هاديء حذر : إنك تهذين ساشا ، من أوهمك بأني أريد الخلاص منه ؟ أخبرتك أني أريده ، اهدأي الآن وأعطني مافي يدك .

أومأت بالنفي وإذ به يقفز نحوها سريعاً ممسكاً بمعصمها بقوة أجبرتها على إلقاء مافي يدها وهي تدفعه بهلع مذعورة .

..................................

لحظاتٌ ثقيلة مرت دونما انتهاء ، يكابد فيها مخاوفه وذكرياتٍ أرقته ، ارتسم ذلك الطيف أمامه لطفلٍ لم يتجاوز العاشرة ، بزرقة غاضبة ، وشعر ذهبي بدا داكناً وسط العتمة ..

لم يستطع الكلام ، بينما نطقت صورته الصُغرى معاتبة موبخة: مالذي يجري لك يا "أنا" الأكبر ؟ لازلت تخشى الفئران إذاً؟ ، أولم نتعاهد أن ننسى ؟, أن نكون أقوى دون انهزام او استسلام ؟

_ لا أستطيع .. إنها ليست كأي شيء آخر .

_ بلى .. أنت تستطيع إن أردت ، لاتسمح لهم بهزيمتك ، لقد واجهنا انا وأنت ماهو أكبر وأقسى ، أهل تقدر هذه الفئران الصغيرة على هزيمتك واضعافك؟، هل ستسمح لنفسك أن تعيق والدك وتكون نقطة ضعفه؟ لابد وأنك لم تعد أنا ! هل أنا أقوى منك أيها الأكبر ؟!

بتردد نطق وهو يحاول السيطرة على ارتعاش صوته وجسده : أنت محق .. لقد حاولت كثيراً نسيان مخاوفي وذكرياتي والخلاص منها ، أمسك يدي .. امنحني بعضاً من قوتك ، فقواي قد خارت تماماً هاهنا .

ابتسم له بعزمٍ وقد مد يده نحوه : إليك هذا ، كن كما أردت دائماً أن تكون ، لاتسمح لهم بإضعافك أبداً ، ليكن والدي فخوراً بما أصبحت عليه .

أمسك يده وسريعاً توغل الجسد الصغير بأعماقه ؛ففتح عينيه مستدركاً أنه قد فقد وعيه من جديد ، ازدرى ريقه وهو يستشعر الحركة القريبة منه لتلك الكائنات الصغيرة المقززة المرعبة ، وصورتها تلتهم جسد الرجل المدمى لاتزال عالقة بذهنه ، كلمات والدته التي بدا صوتها مرعباً في ذاكرته وهي تلقي به في القبو مرددة : ستأكلك الفئران ، إنها تلتهم الأولاد السيئين .

تنفس بعمق محاولاً استجماع مافقد من قوة ، وإذ بالباب يفتح آذناً للنور أن يتسلل لتلك الظلمة الموحشة .

اقترب سجانه منه يفتح القفص ويخرجه منه، وقد تصلب جسده لبقائه بتلك الوضعية المتعبة حتى لم يعد يقوى الوقوف .

_ إنك محظوظ حقاً ، الفتاة تنقذك دائماً بحماقاتها ، لكن الموت يسير معك أينما ذهبت ، صدقني سيكون مصيرك القريب .

كان مشغولاً بنفسه يحاول أن يستعيد ثباته وتوازنه ، وسرعان ما أفرغ جل غضبه بضربة من رأسه لخصمه الواقف قبالته .

_ أيها الوغد الوضيع ! لازالت لديك الجرأة لمواجهتي ؟!

رد هجومه بصفعة قوية جعلته يهوي من جديد ، ورغم ذلك نطق متوعداً: أقسم أني سأرد لك الصاع اثنين أيها الحقير ، ذلك لأنك تجرأت وسجنتني بهذا المكان ، سترى ما سأفعله بك ، كما تجبَّر من قبلك مافريكي فقتل صاغراً حقيراً ، ثق أني لست برحمة آدم ، وسأشوهك وأعذبك حتى لتتمنى الموت ألف مرة .

صك على أسنانه بغيظ وهو يتمتم : لِمَ يترك هذا الأمر لي ؟ أقسم أني سأفقد صبري وأقتلك هنا ولن يعنيني مايحدث بعدها ، تباً لأوامرهم اللعينة الساذجة .

صرخ بزميله منادياً بأعلى صوته : أيها الأحمق تريك تعال وخذ هذا النكرة لسيدك قبل أن أهدر دمه .

تقدم المعني مسرعاً ممسكاً بذراع الشاب يوقفه : حاول أن تسير ،السيد ليونيد يطلبك .

كان الدوار لايزال يجتاحه رغم محاولته الثبات ،وبصمت سار مترنحاً وعيونه تنظر عدوه بحقدٍ متوعدة ، بينما كان الآخر يبادله ذات النظرة كما لو كان يود تقطيعه .
...........................

السماء باتت مختلفة في ذلك المساء ، وقد التمعت فيها النجوم بكثرة كما لو أن من السهل اصطيادها ، ظلت تتأملها بحنين ، تشاهد في زرقتها ذلك المساء الدافيء ، حين تحلقوا أمام النار يتشاركون القصص المسلية والأحاديث اللطيفة

كانت الأم تجلس بعيدة عنهم متذمرة ساخطة ، حتى خاطبها زوجها برجاء : عزيزتي لقد جئنا لنتسلى ولنستمتع تعالي واقتربي ، شاركينا الحديث والطعام .

_ لاأرغب بذلك آرون ، قلت لك للمرة الألف أني أكره الغابة بما فيها ، كما أن الجو بارد للغاية هل تود قتلي .

بسخرية معتادة علق الفتى : زوجي الحبيب هل تود قتلي ؟ أحضرتني لغابة جميلة لاتليق بي وتريد أن أستمتع ، لو أنك أخذتني لحانة عفنة لكنت سعيدة أكثر .

أشار له والده بالصمت متوعداً والفتاة تكتم ضحكاتها ، بينما ألقت كلاديسيا بحجرة صغيرة على رأس الفتى بغضب : صبي وقح سليط اللسان .

دلك رأسه وهو يتمتم بشتائم عدة ، بينما قربت الصبية منه المارشملو بابتسامة عذبة : كل هذا وتوقف عن مضايقتها ، بالكاد أقنعناها بالخروج معنا .

_ليتكم لم تفعلوا ، إنها تفسد كل شيء وتخنق الأجواء هاهنا وحسب .

_ يبدو أنك تصبو لأن أضربك بشيء أكبر أيها الوقح .

أشارت له تيريزا بالصمت بضيق بينما كان ينظر لوالدته بتحدٍ دون اهتمام ، والرجل قد تنهد بيأس وتعب : في المنزل وخارجه ، أولا تكفا عن الجدال لدقيقة واحدة ؟

نهضت الشابة تمسك كف والدها : لنتجاهلهما ولنتمشى قليلاً أبي .

_ بأمركِ عصفورتي الجميلة .

نهض وسار معها وقد تشبثت بذراعه في دلال ، بينما الشاب يرسم بغصن خشبي على الأرض محاولاً تجاهل والدته التي كانت بدورها تعبث في هاتفها بتململ .

...........................

تنهدت بثقل والشوق لهم قد فاق قدرتها على التحمل ، خطواتٍ خلفها قطعت خلوها بذكرياتها فالتفتت تنظر السيدة الجميلة تأملتها بعطف : عزيزتي .. إنها الليلة الأولى التي تمضينها معنا ، أردت أن أكون معكِ فلابد أنها ستكون صعبة .

_ إني ممتنة لك ، هي بالفعل ليلة عصيبة .. بقدر ما أشعر بالألم لبعدهم ، قدر ماتحتويني هذه السماء الواسعة لتعيدني لأيام حلوة كدت أنساها .

مسحت على ظهرها بكفها وهي تستمع باهتمام : مذ انفصل أبي وأمي لم يعد للحياة أي طعم ، أصبح سي يعيش وحده ، وكذلك أبي ، وأنا أعيش مع والدتي ، كنا نجتمع مرة او مرتين في الأسبوع ، وشيئاً فشيئاً تحولت لمرة كل شهر ، حتى أصبحنا لانرى بعضنا البعض سوى في المناسبات الهامة ، ودائماً لاتكون أمي بيننا .

أردفت بألم : لقد غرق أخي في مهماتٍ لاتنتهي ، كما لو كان يريد الهرب من هذا العالم أجمع ، رغماً عني كان غضبي يزداد في كل مرة لا أراه بيننا ، أنا وأبي فقط من استمر باللقاء رغم كل شيء ، لذلك تجاهلته ، مضى وقت طويل وأنا اشتمه في أعماقي ، لاهماله لنا .. لم أفهم كم كان يعيش تعيساً بمفرده .

التفتت تنظر الغائمتين الدافئتين وقد انهمرت دموعها : لقد نسيت كم أحبني ، كم اهتم بي ، كم كنا نتشارك أصغر الأمور ، أبث له شكواي ويشكو لي ، ليتنا نعود كالماضي ، لاأريد أن أعيش وحيدة ، هذا مؤلم جداً .

عانقتها بحنان وقد أفرغت الشابة مابقي لها من دموع .

_ اهدأي ياعزيزتي ، سيكون الغد أجمل ، سأدعو لكِ دائماً لتتحرري من هذا الألم ، ثقي بإلهي فهو ولابد لن يترككِ .

...... .................

على الفراش كانت تجلس كجثة لاحياة لها ، شاحبة ذابلة تنظره وهو يضمد جرحها بصمت قطعته تخاطبه بصوت مرتعش : إيفان .. لننفصل .

رفع عشبيتيه ينظرها بنفاذ صبر : مالذي جرى لكِ حقاً؟ هل يهددكِ ذلك الرجل ؟ أهو من أدخل هذه الفكرة لرأسك ؟

تأملته ذاهلة متسائلة : هل بت تصدقني الآن ؟

لم يجب وقد بدأ يرتب الحقيبة الطبية الصغيرة بعدما أنهى تضميد جرحها ، ومالبث أن همس لها : ربما .. أنت محقة ، ليس بالشخص الموثوق ، لاأشعر بالراحة وهو بالقرب مني .

_ وإذاً ! ماذا تنتظر ؟ لنهرب من هذا السجن ...

بترت حديثها وهي تتذكر كابوسها المرعب ، فالتزمت الصمت بألمٍ وخيبة ، وهي تدرك أنه حتى وإن عرف مايخطط له شقيقها فلن يكون هذا سبباً كافياً لمسامحتها ، أو محبتها .

قطع حبل أفكارها صوته هادئاً صادقاً : دعينا نزور الطبيب غداً ، أريد أن أرى ابني ، وأن أطمئن عليكما .

اتسعت عيناها وهي تنظره غير مصدقة : أأنت جاد .. هل تريد ذلك حقاً ؟

أومأ لها إيجاباً مقاوماً مخاوف ذكراه الماضية :أجل .. حتى أني تأخرت كثيراً .

نهض يلملم الزجاج بينما هي تتأمله تحاول دفع كوابيسها بعيداً ، أرادت أن تستلم له وترخي العنان لروحها ، لكن الخوف من أن يعاود القسوة كان يؤرقها .

أفصحت بتردد : مالذي يجري ؟ تبدو كشخصٍ آخر .

دون أن يلتفت أجاب بنبرة غامضة : لاشيء مختلف .. أخبرتكِ أني قد بدأت أصدقك ، هذا كل مافي الأمر.

نهض يقف قبالتها وهو ينظرها ببرود حاول معه إخفاء ذاته :
لايعني ذلك أني سامحتكِ ، أو أن الكثير سيتغير ، أريد فقط أن أشاركك بعض العبء الذي تحملين .

أردف وهو يتأمل عينيها التائهتين : أنا أيضاً مذنب بقدركِ ، لذا لايحق لي لومكِ أكثر .

سار نحو الخزانة وهي تنظره بابتسامة غير مصدقة ، وأخيراً بدأت الأكف تتقارب شيئاً فشيئاً ، بانتظار أن تتشابكا بقوة دون أن تفلت واحدة منهما الأخرى .

ارتدى بيجامته واقترب منها يجلس على الفراش بجوارها ، صامتة ظلت تتأمله مبتسمة ، وما إن استلقى حتى نطقت بنبرة حالمة : سأكون أماً ؟ وستكون أباً ؟ هل هذه حقيقة ؟

تدثر وقد انقلب على جنبه مقابلاً إياها بظهره يخفي ابتسامته : حمقاء أنتِ ، اخلدي للنوم قبل أن أغير رأيي .

_ لامزيد من الكوابيس ؟ سنبدأ بشراء ملابس الطفل ونجهز غرفته صحيح؟

بنفاذ صبرٍ أجابها : بدأت أضجر ساشا .

_ حسناً حسناّ .. سأصمت .

استلقت على الفراش بارتياح مبتهجة ، وسرعان ماطبعت قبلة على خده ممتنة : شكراً لك إيفان ، أرجوك لاتغير رأيك غداً .. أرجوك .

_ أنت حقاً مزعجة .

قالها بابتسامة ساخرة فاستلقت بسرعة تغمض عينيها وزهور بقلبها قد تفتحت ، آملة أن يحمل الغد لها المزيد من البشرى .

................................

أمام باب الغرفة وقفا والسجان يخاطبه وهو يفتح قيوده : الآنسة كريستينا تقف على سور الشرفة ، حاول أن توقفها عما تصبو إليه ، كن حذراً وإلا فإنك تعلم ماقد يحدث .

دلك معصمه بكفه وهو ينظر الباب مفكراً بما قاله الآخر في طريقهما ، هو يعلم أنها لم تكن لتلقي بنفسها للموت أبداً ، تلك مجرد حيلة لاجتذاب والدها للاستماع لها واستغلال عاطفته بتلك الذكرى التي تضعفه ، ومن جديد كانت السبب في خلاصه من أسره ، الفكرة التي جعلته يكره ذاته أكثر فأكثر .

دخل للغرفة بهدوء يسير نحو الشرفة حيث كانت تقف ووالدها لايزال يتوسلها بذعر : سيطلق سراحه لن أؤذيه ، يكفي أن تتوقفي عن جنونك ياابنتي ، أرجوك سيكون هنا في أي لحظة لقد أمرت بذلك بالفعل .

_ كريستينا .. أنا هنا!

صوته الهاديء أجبرها على الالتفات ودون إدراك انزلقت قدمها فكادت تهوي لولا أن التقفها بسرعة وجلاً : أنتِ مجنونة بحق .

رسمت على شفتيها ابتسامة سعيدة وقفزت تعانقه بحبور : وأخيراً ، أنت هنا سي ، شكراً لله أنت على قيد الحياة!

في الأسفل كاد الرجل الفزع يهوي وقد اطمئنت روحه أخيراً ، همس له أحد رجاله بتردد : سيدي .. مالعمل الآن؟

تنهد بضيق وعيونه من الأسفل ترقبهما : لست أعلم ، لابد وأن القائد والرفاق غاضبين للغاية ، هذه الفتاة ستصيبني بالجنون .

_ يجب أن تعود لهم سيدي ، اترك الأمر هنا لنا .

زفر وجلاً وهو يعلم أن سيكون بانتظاره الكثير من التوبيخ والاجرائات الصارمة بحقه وابنته ، عاد للقاعة وقد جلس الأربعة بانتظاره والنقاش بينهم قد احتدم ، وما إن وصل حتى التفتوا جميعاً ينظرونه بتوعد .

نطق مبرراً : لقد حللت الأمر ، إنها لاتزال طفلة صعبة المراس .

أجابه مارفيل بحدة : حذرتك مراراً وأخبرتك أن دلالك المفرط سيفسد كل شيء ، انظر ماتفعله تلك الفتاة لجعلك تخضع ملبياً طلباتها بكل بساطة .

صرخ به محتجاً : لا أحد سيفهمني بينكم لأني الوحيد بينكم الذي يملك ابنة ، أنا لا استطيع التضحية بها هل هذا واضح؟.

ببرود نطق رمادي الشعر وهو ينظره بحدة : لهذا أخبرتكم أننا لانرغب بشخص متزوج بيننا ، العائلة تفسد المرأ .

أتبع زجاجي العينين بنبرة جليدية قاتلة : إن خضعت مرة فستفعل ذلك كل مرة ، إلى أي حدٍ ستتمادى بعد ليونيد ؟.

بعجز صمت وهو ينظرهم قلقاً ، حتى نطق أكبرهم برصانة : تعاهدتم أن تكونوا يداً واحدة ، مثل هذه الاضطرابات ستضعفكم ، إياكم والقتال فيما بينكم .

محتجاً نطق آندريه بسخط: ماذا نفعل الآن إذاً؟ في كل مرة نضطر للانشغال بأمور هذه الفتاة وعشيقها.


_ ماخطبك يارجل ؟ أولسنا ننشغل بأمور شقيقتك وزوجها أيضاً؟

_ إني أسيطر على عائلتي ولايجروء أحد منهم على مخالفتي ،على عكسك أنت .

_ توقفا عن الجدال ، يجب أن نجد حلاً جذرياً لننهي هذا الأمر.

نطق بذلك مارفل بحدة فسكت كليهما بيننا وافقه لوديس ببروده المعتاد : لنترك القرار للزعيم ، ماترى سيدي ؟

سكت المعني قليلاً مفكراً ومالبث أن أجاب بصرامة : أخبرتكم أن تقتلوا آرون بلا انتظار ، خشيتموه فقط لأجل ترهات نطق بها ، قد يخدعكم وحتى وإن لم يكن ، مالذي يخيفكم لهذه الدرجة من أن يعرف البسطاء هذه الأمور التي لم يعد لها أي قيمة .

نطق أحمر الشعر موضحاً: سيدي .. إن مركزي في الدولة مهم ولاشك سيتزلزل حتى لو كذَّبنا ماسينشر من أخبار ، هي تطالني في المقام الأول .

_ وإن كان كذلك ، قفوا خلف أخطائكم كالرجال ، لاجدوى من احتجاز ابنه وتهديده به ، لن ينفع ذلك مع أمثاله بل سيزيد من عناده ، اقتلوه بلا جدال وتخلصوا منه ، ماعدا ذلك من أمور هي مجرد توافه ، الفتاة لاتزال جاهلة ، كلما ازددت عناداً ستفعل هي الأخرى ، احتويها وعلمها ، ستكون عنصراً قوياً إن أنت أنشأتها بشكل صحيح .

ابتسم ليونيد مستبشراً بينما تجهم البقية بلا رضاً : شكراً لك سيدي أعدك أني سأفعل حتماً.

نهض متكئاً على عكازه وسريعاً أسنده خادمه : سأعود لغرفتي لأخلد للراحة ، أتمنى أن يكون اجتماعنا القادم لإنهاء هذا الأمر ، بلا مزيد من المشاكل ، سيطروا على الوضع جيداً أنتم الأربعة دون ازعاجي .


.......................... .......... ....

خرجت من غرفة الملابس بعدما جففت نفسها واستبدلت ملابسها ، نظرت إليه وقد كان يجلس على الأريكة مسنداً رأسه لها بشرود .

بينما أقفل الحارس باب الشرفة والغرفة بعدما فك قيد يديها هي الأخرى ، جلست بجواره تتأمله بابتسامة ارتياح : وأخيراً .. هانحن معاً من جديد .

بهدوء نطق دون التفات : لاتتصرفي بحماقة مجدداً ، البرد وحده كان كفيلاً بقتلك ، ناهيك عن سقوطك ، كيف تجراتِ حقاً .

أراحت رأسها على كتفه ويدها قد أمسكت كفه : لاشيء يهمني سواك ، أفعل ذلك وأكثر من أجلك .

_ إذاً .. لتفعلي هذا من أجلي ، جدي أبي .

نظرته بأسف وبتردد نطقت : لا أعلم إن كان بامكاني فعل ذلك ، الأمر أصعب مما تظن.

بابتسامة ساخرة هادئة أجابها : لو كان الأمر متعلقاً بي لكنتِ مستعدة للموت حتى ، لكن طالما يتعلق بأحبتي تصبحين عاجزة .

أبعدها بهدوء وزفر بعمق قبل أن يضيف : لابد أن أجده قبل أن يؤذوه .

دفن رأسه بين كفيه بحيرة وعجز قاتِلَيْن ، مسحت بكفها على ظهره مواسية : سيكون بخير ، أعدك أني سأحاول معرفة مكانه ، حري بك أن تهتم بنفسك فإنك لاتبدو بخير .

صوت القفل يفتح جعل كليهما يلتفتان تلقائياً لمعرفة الوافد؛ والذي لم يكن سوى ليونيد ، اقترب منهما وعيونه تنظر الشاب بكراهيةونقمة ، جلس بجوار ابنته يخاطبها بعتاب : هل سرَّك مافعلتِ من أجل هذا النكرة .

_تحدث بشكل لائق أبي .. رجاءاً .

حدجه بنظره بينما الآخر قد أشاح عنه بوجهه بلا اهتمام ، عاد ينظرها وهو يخاطبها بصبر : لقد قمت بتصغيري أمام الجميع ، إنها المرة الأخيرة التي أنصاع فيها لك ، ثقي أني سأتركك للموت دون اهتمام إن تكرر الأمر ، لذا ومهما فعلتِ ؛ لن يكون له قيمة أبداً .

بخيبة أجابته : لازلت تهددني أبي ، هل أنت مدرك لهذا ؟

استجمع أنفاساً عميقة قبل أن يرد بهدوء : ياعزيزتي .. سأطلقك من هذه الغرفة ولن تعودي سجينة ، شرط أن لا تتهوري مجدداً ، لست وحدي بهذا الأمر ، وإن تحملتك أنا فلن يفعل الآخرين ذلك ، هل فهمتني .

_ ماذا عن سيكيم ؟

نظر إليه بازدراء وبكراهية نطق : لاتقلقي .. وعدتكِ بإطلاق سراحه لكني أحتاجه بأمر ما قبل ذلك ، ليصبر يوماً أو اثنين ، شريطة أن لايقترب منا مجدداً ، المرة الثالثة هي الأخيرة دائماً .

أجابه الفتى بحدة : أخبرت رجالك قبلاً وأخبرك مجدداً ، لم آتي بإرادتي فابنتك جائت بي عنوة إلى هنا .

_ لم آذن لك بالحديث بعد .

ضحكة قصيرة أطلقها وسرعان مانظره باستسخاف مستنكراً : من أنت لأنتظر الإذن منك ؟

استقام واقفاً بغضب ونقمة فأسرعت الفتاة تردعه عن قول المزبد : حسناً كفى الآن ، لقد استمعنا لك وسنفعل ماتريد ، شريطة أن تفي بوعدك وتطلق سراحه ، هذا كل ما أريد .

أومأ ايجاباً وأشار لرجاله بأخذ الشاب : ستعود لزنزانتك الآن ، يكفيك دلالاً .

_ انتظر أبي .. أيجب أن يسجن في الزنزانة ؟

صك على أسنانه بغيظ وهو يجيبها : إن شئت سجنته معكِ ، بالطبع سأعيده للزنزانة ، ولاتقلقي ستكون مريحة ونظيفة على عكس سابقتها .

_ ولن يمسه رجالك بسوء ، يكفي مافعلوه حتى الآن .

تنهد بنفاذ صبر : بأمركِ .. لكِ ذلك .

ابتسمت برضاً واستدارت للشاب تودعه : كن بخير أرجوك .

أومأ لها ايجاباً وسار مع الحرس دون أن ينطق ببنت شفة ، فعقله قد سافر للبعيد يسكنه والده الذي لم يعرف بعد ما آل له مصيره .

............................

تساقط الحرس واحداً تلو الآخر وسط الصمت والظلمة ، وسرعان ماوقف الرجل الغاضب أمام الأقفاص يبحث عن ضالته قلقاً وجلاً .

_ من أنت ؟! وماذا تفعل هنا ؟!.

التفت ينظر الشاب ذو الجسد المفتول والعينين الجمريتين المحرقتين ، وبهدوئه المهيب سأله : سأسألك لمرة واحدة ياهذا ، أين هو سيكيم ؟

بسخرية أجابه : و من تكون أنت ، هل جئت لتنقذه ؟

صرخ به آمراً : أجبني !

_ هه كان هنا منذ وقت قصير ، ينام بين الفئران في هذا القفص تحديداً ، كما يليق به ، ولكن تقرر نقله لسجنٍ آخر وكم يؤسفني ذلك ، لقد كان يستحق أن يعذب حتى الموت .

لكمة قوية أردته أرضا أتبعها الرجل بالمزيد وقد جثى فوقه يلكمه دون رحمة ، وبالرغم من محاولته المقاومة والدفاع عن نفسه إلا أن الأمر انتهى به منهك القوى ، مستسلماً على الأرض بلا قدرة على الحراك .

شد ياقته وقد اتقد الغضب بعينيه البنيتين : إن تجرأت على لمس ابني أو الحديث عنه بهذه الطريقة مجدداً فأقسم أن مافعلته الآن سيكون نعيماً بالنسبة لما سأفعل .

تركه ونفض ملابسه ويديه وخرج يقفل الباب من خلفه ، بينما الضخم ينظره بذهول وذعر " سحقاً .. أهذا هو والده ؟! القائد آرون ! .





 
 توقيع : آدِيت~Edith

مواضيع : آدِيت~Edith


التعديل الأخير تم بواسطة آدِيت~Edith ; 11-09-2022 الساعة 06:31 AM

رد مع اقتباس
قديم 11-08-2022, 07:13 AM   #90
آدِيت~Edith
https://www.anime-tooon.com/up/uploads/at165286508456371.png


الصورة الرمزية آدِيت~Edith
آدِيت~Edith متواجد حالياً








أغلقت أبواب الزنزانة العتيقة ، وتُرك من جديد وحيداً في ظلمتها ، لم تكن ضيقة كسابقتها أو قذرة ، لكنها في النهاية كانت سجناً كذلك .

تناهى لمسمعه أصواتٌ قريبة مُرَحِّبة ، وقف أمام القضبان ينظر مصدرها وإذ بالعديد من الزنازين يسكنها سجناء آخرون .

_ مرحباً بك بيننا أيها الشاب .

_ من أين جئت وما الذي ارتكبته لتسجن هنا ؟.

_ لقد وقعت بسجنهم وأرجو لك الخلاص قريباً.

_ حررنا أرجوك ،إن كنت قادراً خلصنا من هذا العذاب أتوسل إليك .

ظل ينظرهم ويستمع لهم بحيرة ، ومالبث أن سأل بقلق: من أنتم يارفاق ؟ لم سجنتم هنا ومنذ متى ؟ .

أجابه أحدهم : لكل واحدٍ منا قصته ، لقد أُسرنا لنكون عبيداً لهم ، لانخرج من هذا السجن سوى للعمل فقط .

سكت قليلاً وهو يتذكر كلمات أهل القرية وإيرينا عمن فُقدوا من قريتهم وسجنوا ، وسريعاً نطق بأمل : أنتم سكان قرية آشورا ألست محقاً؟

_ كيف عرفت ؟ من تكون ؟!.

ابتسم بارتياح وهو يجيبه : لقد جئت من القرية ، وقد كان الجميع قلقاً بشانكم ، إنني سعيد بحق لأني وجدتكم ، مابعد ذلك سيكون أسهل حتماً ، ثقوا أننا سنخلصكم من هذه السجون لذا اطمئنوا .

_ كيف وأنت سجين هنا ؟.

_ سأخرج عما قريب ، لن أطيل البقاء هنا ،تحملوا ليوم أو اثنين .

أخذ بعضهم ينظر لبعض غير مصدقين لما يقول ، وإذ بالباب يفتح يدخله أحدهم بمهابة وشموخ وعيناه قد حملتا من الغضب مقدار قلقه وخوفه ، اتسعت عيناه بذهول وهو ينظره يقترب متفحصاً بحذر ، وسريعاً هتف به منادياً : أبي ، إنني هنا !.

التفت له بلهفة وهرول ناحيته حتى أصبح قبالة سجنه : وأخيراً ها أنت ذا ، كدت أجن حين لم أجدك ، هل أنت بخير ؟.

أومأ إيجاباً بابتسامة مطمئنة : حمداً لله أنك على قيد الحياة ، قلقت كثيراً ، كيف استطعت الخلاص منهم والدخول هنا ؟.

_ إنك لاتعرف والدك إذاً بعد ، انتظر دعني أخرجك من هذا السجن .

_ لا .. لاتفعل !

_ ولم؟! انظر مافعله هؤلاء بك كيف أتركك بين أيديهم ؟

_ لقد وعد ليونيد ابنته بتحريري ، قال أنه يريدني بمهمة ما وبعدها سيطلق سراحي ، لن أطيل المكوث بهذا المكان .

بدا الغضب جلياً بقسماته الهادئة عادة ، وبحرقة نطق متوعداً : سيكون حسابه عسيراً ، ذلك الخائن لايستحق الشفقة أبداً ، لابد وأنه لن يفي بوعده ولن أنتظر منه أن يؤذيك أكثر .

_ أتوسل إليك أبي ، اهرب من هذا المكان وحدك ، لا أريد أن أكون هارباً يطارده هؤلاء ، انتظرني وسآتيك قريباً أنا أعدك .

أومأ بالنفي وجلاً : سيستخدمك هؤلاء لاضعافي وإذلالي ، لن أتركك لهم أبداً هل فهمت !.

زفر عميقاً وبهدوء عاد يحاول اقناعه : ثق بي رجاءاً أبي ، اذهب واختبأ في منزلي وستراني معك قريباً ، وددت أن تختبأ في القرية ولكني أخشى أننا سنتسبب في كوارث لهم ، اختبأ في منزلي أبي ، ستجد المفتاح الاحتياطي بداخل النبتة المعلقة ، ولاتقلق بشأني ، أعدك أني سأنضم لك قريباً جداً .

صمت مفكراً وإذ بأجراس الخطر قد دقت، وقد استنفر الجميع باحثين عن السجين الهارب ، نظر لابنه قلقاً : سأتركك هاهنا مرغماً ، وسأنتظرك ، ثق أن صبري بدأ ينفذ ، لذا إن تأخرت ولو للحظة واحدة فسأحرق هذا المكان بأكمله ، اعتنِ بنفسك رجاءاً .

_ وأنت كذلك أبي ، كن بخير .

أومأ له ايجاباً وبصعوبة قاوم نفسه ليترك المكان وفي أعماقه عواصف ملهبة ، بينما الابن كان يتأمل رحيله بعزم ، منتظراً بلهفة موعد حريته .

........................


رفعت جفنيها الذابلين وقد تسلل الضياء لهما مهدياً لعينيها اشراقة الذهب الجميلة ، اعتدلت جالسة تنظر الصبي الواقف بجوار النافذة يتأمل الخارج بشرود .

نهضت بخفة واقتربت منه حذرة ، وما إن وضعت كفيها على كتفيه حتى شهق بفزع : هذه أنتِ آنسة تيريزا ، أفزعتني .

ابتسمت ضاحكة وباعتذار نطقت وهي تمسح شعره : آسفة لم أقاوم ألا أفزعك .

بنبرة حزينة أردفت : كنت أحب فعل ذلك مع أخي .

اتسعت ابتسامته وبحماس شاركها : عم سيكيم أيضاً كان يحب فعل ذلك مع أبي وكذلك العم ديريك ، لذلك لست مستاءاً هذا يعني أننا أصدقاء صحيح ؟أخفضت جسدها لتكون بمستواه وهي تجيبه ببسمة جميلة :أنت ذكي بحق ياصديقي الصغير .

طرق الباب فدخلت إيرينا تحمل رضيعها مسدلة شعرها الليموني على ظهرها : صباح الخير لكما ، إنه وقت الافطار .

_ أنا قادم أمي ، أعطني أخي من فضلك سأهتم به بنفسي هكذا وعدت والدي .

أعطته الصغير بحذر : شكراً لك أيها الشاب الصغير ، كن حذراً اتفقنا .

_ حتماً أمي العزيزة .

خرج معه وهو يخاطبه بحماس : أخوك سيطعمك اليوم جوزيف العزيز هل أنت مستعد .

صوت مناغاته كما لو كان يجيب شقيقه جعلهما تبتسمان تلقائياً بسعادة لمنظرهما اللطيف البريء ،بعد برهة سألت السيدة الفتاة بإهتمام وهي تقترب منها : هل نمتِ بشكل جيد عزيزتي .

_ أجل ، لم أتوقع أني سأخلد للنوم بهذه الراحة ابداً .

_ ذلك لأنكِ كنتِ متعبة .

أومأت بالنفي وبابتسامة مشرقة أجابت : إن في هذا المكان سر عجيب ، دافيء رغم برد الشتاء ، واسع رغم صغره ، يبث الحنين والألفة حتى لتشعر بالانتماء له ، لقد أحببته حقاً .

_سعيدة بالفعل لسماع هذا .

أردفت وهي ترتب السرير : لكن لم يكن من العدل أن أرقد بسرير نواه بينما المسكين يرقد على الأرض الصلبة .

أخذت تساعدها بابتسامة محبة : لاتقلقي هو معتاد على ذلك ، أرجو أن تأكلي جيدا ً وإلا فسأفهم أن طعامي لم يعجبك .

_ لاتقلقي سألتهم كل شيء ، إني جائعة جداً .

ابتسمت برضاً وما إن توجهتا نحو المائدة حتى طرق الباب ، غطت ايرينا رأسها سريعاً ثم فتحته بحذر .

_ آه هذا أنت ديريك ، تفضل تناول الإفطار معنا .

نهضت الفتاة ما إن سمعت اسمه وأسرعت نحو الباب تستقبله : ديريك ! هل من أخبار عنهما ؟

أخفض طرفه وقد قبض كفه بقوة ، وضعت يدها على عنقها باختناق : هل أصيب أحدهما بمكروه ؟

أجاب بالنفي بتعب وضيق : بحثت طوال الليل أنا والرفاق دون جدوى ، لاشيء استطعنا إيجاده ، لا أثر ..

نكست رأسها مختنقة بعبراتها ، وقد نظر إليها بعجز أسفاً متألماً : أرجوكِ لاتحزني ، لابد وأن نجدهما ، سأعود الآن للمدينة إن شئتِ ،وسأكمل البحث دون توقف .

_ كلا أرجوك .. لم تنم أبداً ولم تأكل أي شيء ، استجمع قواك أولاً ، أنا حقاً ممتنة لما تفعل .

وافقتها إيرينا بنبرة هادئة متفهمة : تناول الإفطار وأرح نفسك قليلاً فإنك تبدو شاحباً للغاية ، هاهو والدي قد جاء أيضاً لمشاركتنا .

خاطبه الشاب باحترام مرحباً فأجابه بلباقة، وسرعان ما تحلقوا حول المائدة يتناولون الإفطار في جو عائلي دافيء محبب ، والفتاة تشاركهم بابتسامة يتأملها ديريك مطمئناً ، وقد بات يدرك أن تلك القرية ستداوي جراحاتها العميقة .

...................



في الردهة كان كليهما ينتظر بصمت ، فالفتاة غارقة تفكر بتشاؤم ، ماذا لو تركها في منتصف الطريق ، ماذا لو أنه يخدعها ، ماذا لو كان والطبيب قد اتفقا على إجهاض الطفل دون أن تعلم .

بينما هو كان يضرب الأرض بقدمه يهزها بتوتر واضح وذكرياته تهاجمه كالكوابيس ، فآخر زيارة له لهذا المكان كان فيها الطبيب يخبره بضعف زوجته ، وأنه سيكون مخيراً بينها وبين الجنين ، وقبل أن يمنح الفرصة للتفكير وجد نفسه يفقد كليهما ، ليودعهما الوداع الأخير بين تلك الجدران البيضاء .

صوت الممرضة تناديها قطع حبال هواجسهما فأجبرا على النهوض ولا زالا بصمتهما المميت .

استلقت على السرير وعيونه ترقب الشاشة أمامه ، وما إن بدأ الطبيب معاينته حتى ظهرت صورة الجنين لاواضحة المعالم مما جعله يبتسم بلا إدراك .

كانت تتأمله متعجبة وبارتياحٍ ابتسمت هي الأخرى وقد التمعت الدموع في عينيها ، فأخيراً هو ذا حلمها يتحقق وإن كان للحظات أو لوقتٍ قصير .

_ الطفل بحالة جيدة ، لكن كما اتفقنا من قبل ، عليك الاهتمام بنفسكِ أكثر لتكوني قادرة على إنجابه دون مشاكل.

نطق عشبي العينين سريعاً : من فضلك اكتب لي ورقة لأعرف ماعلي فعله ، ما يجب أن تأكل وماتفعل أو لاتفعل ، لأكون أكثر حرصاً.

ابتسم له الطبيب بارتياح : بكل تأكيد سأفعل ، سعيدٌ لأنك رافقتها أخيراً ، وطالما تفعل فحتماً ستكون حالها أفضل ، إنها أخيراً تبتسم .

نظر إليها وقد احمر خديها خجلاً وابتسامة سعيدة قد ارتسمت على شفتيها ، ساعدها بالنهوض وهو يحمل معطفها .

استأذنا الطبيب بلباقة وخرجا وهي تحمل صور جنينها تتأملها بحبور : لقد كبر ، أليس كذلك ؟

أخذ ينظر بحيرة : في الواقع لست أفهم الكثير ، لذا لا أعلم ، ولكن صوت قلبهم كان.. جميلاً .

أخذت ترقبه سعيدة مبتهجة : شكراً لك إيفان ، ليت هذا الحلم لاينتهي أبداً .

نظرها بطرف عينه مستنكراً : إنه واقع لاحلم ، هو طفلي على كل حال ، أفعل ذلك لأجله لا لأجلك .

ابتسمت ضاحكة ونسمات الهواء تداعب شعرها ؛ ما إن أصبحا خارج أبواب المشفى : الآن أنا مطمئنة ، لست أحلم طالما قلت هذا .

وقفت متعجبة تنظره يتأملها بشرود ، وبكفه أبعد خصلاتها المتناثرة على وجهها ليعيدها خلف أذنها ، احمر خديها وعيونه الخضراء المحببة تتأمل ذهبيتيها المشرقتين .

أفاق من شروده وابتعد على الفور يكمل طريقه بصمتٍ، وقد استدركت أنه كان يرى حبه القديم بوجهها ، شيعته بعيونها التائهة والحزن قد عاد يتوغل بأحشائها ، وبصمت موجع عادت تتبعه متباعدة خطاهما .

...........................


مضت الأيام الثلاثة بسكون ، الفتاة في كل يومٍ كانت ترقب الطريق منتظرة لقائهما واليأس قد بدأ يعشعش في صدرها .

ماكان يخفف عنها سوى وجود رملي الشعر بجوارها ،يواسيها ويبذل قصارى جهده لايجادهم دون أي جدوى ، وكذا إيرينا التي ظلت تمسك بيدها لتخرجها من كئابتها المميتة ، برفقة صغيريها اللذان منحا للحياة طعماً ولوناً زهرياً جميل .


آرون ظل يرقب من النافذة عودة ابنه يقاتل في داخله مخاوفه ، وقد بدأ صبره في النفاذ ، حتى بدأ يتأهب للهجوم على المقر وإنقاذه .

وهو .. خلف القضبان كان يجلس مسنداً رأسه لركبتيه وأيامه باتت معتمة ثقيلة منهكة ، ورغم أن السجناء معه كانوا مؤنسيه ، إلا أن الجوع والعطش قد أنهكا قواه تماماً ، إذ لم يستطع أن يتجاهل بعد أن ملابسه وجسده لوثتهما الفئران في تلك البقعة العفنة .

كعادتها جائت لزيارته وقد جلست أمام القضبان قبالته : كيف حالك اليوم سي، هل أنت بخير؟

رفع رأسه ينظرها بتعب : بقدر مايمكن أن أكون ، متى سينفذ والدكِ وعده ياترى ؟.

_ لست أعلم ، لكن لابد وأن يكون ذلك قريباً ، لم يجدوا والدك بعد وقد جن جنون والدي لذلك ، سيستسلم قريباً ويخلي سبيلك طالما أن بقائك هاهنا لم يجذب والدك أبداً، ففي النهاية تركك هنا وهرب بمفرده .

_ أرجو ذلك حقاً ، ليفهم هؤلاء أني لن أكون عائقاً في سبيل تحقيق العدالة التي يصبو والدي لها .

فتح الباب من جديد وكان الوافد هذه المرة هو آيغور يسير بخيلاء يتبعه بعض الحراس .

_ لم لازلتِ هنا كريس ؟

_ هذا ليس من شأنك ، مالذي جئت لفعله مجدداً؛ أولم تُمنع من الدخول ؟

_ هه لست راغباً برؤية صديقك النكرة ، ولكني أمرت بإخلاء سبيله والتأكد من رحيله دون متاعب .

نطقت بحماسة وهو ينظرهما غير مصدق : إذاً أخيراً سيطلق سراحه ؟

حدجه بنظرة ساخطة كارهة : للأسف .. هذا ماسيحدث .

ابتعدت ليقترب الحارس يفتح الأقفال ، وما إن خرج سيكيم حتى عانقته ببهجة : سعيدة لأجلك ، اهتم بنفسك رجاءاً ، ورغم أني سأفتقدك لكني سأكون مطمئنة حين أعلم أنك بحال أفضل .

أومأ لها ايجاباً بصمت ، أردفت تقول بندم : آسفة لأني كنت السبب بكل ماجرى لك ، أرجو أن تسامحني .

_ لاتقلقي .. لم أعد غاضباً ، بل على العكس؛ إني ممتن لكِ ، كان هذا مفيداً أكثر مما تعتقدين .

تأملته بابتسامة محبة سعيدة ، وسرعان ما أُطبِقت عينيه برباط أسود ليقوده الحرس خارج أسوار القصر .. نحو حريته المنتظرة .

............................

حتى اللحظة الأخيرة كان يحسب أنه لن يعود ، وأن مكيدة ما قد حيكت له بدلاً من كسر قيوده ، ولكن هاهو ذا أخيراً أمام الباب ، هم بطرقه واذ به يفتح قبل أن يفعل .

تلاقت السماء بعينيه بدفء تلكما العينين البنيتين ، لحظات صمت أذنت لعيونهما بالبوح بشكواها واشتياقها ،وسرعان ماأدخل الأب ابنه مغلقاً الباب من خلفه بحذر .

_ هل لحق بك أحدهم ؟

أومأ بالنفي بغصة دون قدرة على الكلام كما لو كان قد اعتاد الصمت .

_ كنت للتو سأخرج لتنفيذ ماأقسمت عليه ، للمرة الأولى يفي ليونيد بوعده .

عاد يتأمل ابنه الصامت ينظره بوجعٍ واشتياق، وسرعان ماعانقه بقوة يفرغ مااختزله من قلق وألم ووحشة ،بينما حاول الشاب احتجاز دموعه مع كلماته المختنقة بأحشائه .

.....................................

وضع الأطباق على المائدة والحنين قد اشتعل بقلبه لأيامهم الدافئة الجميلة ، اقترب من الباب يطرقه وصوت المياه تتدفق قد تناهى لمسامعه : سيكيم ؛ الطعام جاهز ، ألم تفرغ من حمامك بعد .

أتاه صوته ضعيفاً مبحوحاً : بقي القليل .. إنني قادم .

_ هل أنت بخير ؟ أتحتاج للمساعدة ؟.

_ إني بخير أبي ، ها أنا ذا .

أغلق الماء وهو يرتدي البُرنس وبالمنشفة يجفف شعره ، نظره مبتسماً بحنان وبشقاوة بعثر الذهبي المبتل : إني جائع أيها الولد ،وأنت لازلت تهدر الماء دون مبالاة .

بادله الشاب الابتسام وهو يسير نحو خزانته : لقد اشتقت للاستحمام كثيراً ، كرهت نفسي بتلك الملابس المتسخة والجسد القذر .

_ معك كل الحق بقيت متسخاً هكذا لثلاثة أيام يالهذا الأمر ، يا الهي لقد عانقتك لذا لابد وأني سأصاب بمرض ما .

وبطريقة درامية أكمل : ابتعدي أيتها الجراثيم لاتؤذني!

ضحك الشاب وهو يخرج ملابسه من الخزانة : لازلت لئيماً سيد آرون .

_ والإبن شابه أباه ، على كلٍ اجلس قليلاً هنا .

أشار له على الفراش فجلس وهو ينظره متسائلاً ، أخرج من أحد الأدراج مرهماً وجلس بجواره يدهن الكدمات بظهره برفق .

زم الشاب شفتيه بوجع وقد عادت أطياف الذكرى ترتسم أمامهما كما لو أنها لم ترحل .

" على فراشه استلقى ابن العاشرة متدثراً يخفي أنينه ووجعه ، يد حانية عانقت جبينه متفحصة ، سرعان ماجلس صاحبها بجواره وهو يخاطبه قلقاً : ألهذا تختبأ هاهنا ؟ تعلم أنك حتى وإن حاولت الإخفاء فوالدك سيعرف ماتشعر به .

أسنده ليجلسه وقد أخفى الصبي وجهه جاهداً ، إلا أن والده قد وضع أصابعه على ذقنه يرفع رأسه، متأملاً الكدمات التي شوهت ملامحه .

كانت النار تلتهب بأحشائه دون أن يبدِ شيئاً مما يخالجه ، وبهدوء سأله محاولاً أن يجعل صوته ثابتاً قوياً: من فعل بك هذا ؟

أومأ بالنفي وبشفتين مرتعشتين نطق : لا أحد.. سقطت من السلم وحسب .

أجابه غير مصدق مستنكراً : سقطت من السلم إذاً ؟

أومأ ايجاباً وهو يدرك أنه لم يصدقه ، وإذ به يجيبه ممازحاً : عليك أن تحذر إذاً ، فلابد وأنها كانت سقطة موجعة أليمة .

نهض وخرج من الغرفة وبعد قليل عاد يحمل حقيبة الاسعافات معه ، جلس قبالته وبدأ يدهن موضع الكدمات ويدلكها برفق .

دمعت عيناه بوجعٍ وقد أخفض رأسه يخفيه عن والده الذي رفعه وهو ينظره بابتسامة حانية : لاتُحن رأسك أبداً ،و لاتخفِ ألمك عني ، فإني أحمله بداخلي مضاعفاً .. بني ".

عاد من ذكراه وهو يبتسم بحنين بينما أغلق آرون العلبة لينهض بعدها وهو يربت على كتفه : سأنتظرك في الخارج ريثما ترتدي ملابسك .

_ حسناً ، لن أتأخر بكل تأكيد .

أغلق الباب وحالما فعل حتى اختفت ابتسامته والغضب في داخله يزداد اشتعالاً " لن أرحمك ليونيد .. ولن أرحم رجالك أبداً بعدما فعلت ".

جلس على صدر المائدة ومالبث الشاب أن خرج وهو يغلق أزرار قميصه الأسود ، انضم للمائدة وهو ينظرها باعجاب : يالهذا الطعام الشهي سيد آرون ، هذا يذكرني بالماضي ، اشتقت لتناول الطعام الذي تعده حقاً أبي .

_ بالهناء والشفاء ياعزيزي .

بدأ تناول الطعام بشهية بينما والده ظل يتأمله بحرقة ، التفت ينظره متسائلاً : لم لا تأكل ؟ .

تنهد بثقل وأجاب بهدوء : قلق على تيريزا .

_ لاتقلق لابد وأن ديريك يرعاها ، إنه أهل للثقة ، سأتصل به وأخبره بما حدث ولنذهب غداً له للاطمئنان عليها .

_ أرجو أنها كذلك ، لم أستطع الخروج والبحث عنها كي لايراني أحدهم.

_ جيدٌ مافعلت .

عاد يتناول الطعام بينما الآخر يتأمله مفكراً ، وبتردد سأله وهو يخرج ورقة من جيبه : وجدت هذه وأنا أنظف المنزل .. لقد أثارت هذه الرسالة الكثير من التساؤلات لدي .

نظرها حائراً وأخذها يتأملها بدهشة : هل أنا من كتبت هذه ؟

_ أأنت جاد سي ، من قد يفعل سواك إنه خطك .

قرأها مراراً بحيرة محاولاً التذكر : ماذا يعني هذا ؟ هل قتل أحدهم أمي ؟ ألم تمت بسبب المرض؟ .

_ أنا من عليه طرح هذا السؤال بني ، وماهو أهم من ذلك .. لم لم تخبرني أنت بهذا ؟ لم كتبت ذلك على ورقة ؟

أومأ بالنفي حائراً : أقسم لك أني لاأعلم ، لاأذكر شيئاً .

داهمه الصداع من جديد فوضع يده على جبينه يمسده بضيق وعيونه ترقب الرقم بضياع : هاتفي ليس معي ، لقد أضعته وإلا لكنت بحثت عن هذا الرقم فيه .

أردف مستدركاً : هناك شخص ما اتصل بي حين كنا نودع أمي ، هددني حينها بقتلك ، وظننته فعل ذلك ، ربما هو ذات الشخص.

سكت الأب يفكر في حديث أولئك الزمرة وكلمات رمادي الشعر تتردد على مسامعه : الوغد ! أجل لقد كان ذلك الحقير إذاً!

_ من يكون ؟!

التفت له يتأمله بحيرة وجلاً: ماذا عنك ؟

نظره متسائلاً بقلق بينما أتبع آرون بريية : كيف لاتذكر أمراً كهذا ؟

بدأ الصداع يزداد مصحوباً بدوار جعله يسند رأسه لكلتا كفيه وقد أغمض عينيه بشدة ، اقترب منه ووضع يده على ظهره مخاطباً إياه وقد تزايد قلقه : هل أنت بخير ؟

أومأ له إيجاباً بتعب : أحتاج للنوم وحسب ، اعذرني أبي .


نهض متحاملاً على نفسه عائداً للغرفة وسرعان ما ألقى بجسده على الفراش يلهث منهكاً

" تباً لك سيكيم ، لايجب أن تضعف ، ليس أمام والدك ، يجب أن لايقلق أكثر ، يجب أن ..."

أغمض عينيه مستسلماً آذناً لروحه بالراحة أخيراً على فراشه الوثير ، بينما الآخر كان يقف ينظره بحرقة حائراً وجلاً ، وكل مايتمناه أن لاتتحقق أسوأ كوابيسه .








 
 توقيع : آدِيت~Edith

مواضيع : آدِيت~Edith


التعديل الأخير تم بواسطة آدِيت~Edith ; 11-09-2022 الساعة 07:14 AM

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بين الحرية والمعارضة DoLoR حوارات و نقاشات جاده 20 06-25-2022 08:29 PM
الطريق طويل لاتهتم | Sugar's Galaxy سكر مدونات الأعضاء 22 05-27-2022 01:26 AM
اتبعني إن كُنت لا تعرف الطريق، دعنا نضيع معًا ! ELIOT مدونات الأعضاء 44 06-19-2020 05:19 AM

شرح حديث

علف


الساعة الآن 08:38 PM